محمية صومالي لاند بين صراع الهوية وحلم الاعتراف الدولي؟
بابكر حسن يكتب ..
تمهيد
هذا مقال، لا يصلح للقراءة العابرة ولا للتصفح السريع.
إنه محاولة لفهم مسار كيان ظل عالقًا بين الذاكرة الاستعمارية، وجراح الوحدة الفاشلة، وحلم الدولة المؤجل.
محمية صومالي لاند البريطانية هي واحدة من المستعمرات الأوروبية للصومال الممتد على سواحل المحيط الهندي والبحر الأحمر وصحراء أوغادين، حيث تقع صومالي لاند في الجزء الشمالي الغربي من جيبوتي، ومن الغرب إثيوبيا، والبحر الأحمر شمالًا، والصومال الإيطالي جنوبًا وشرقًا، في شكل نصف هلال تتخلله غابات وتضاريس وعرة، ومجموعات سكانية صومالية زراعية ورعوية، ومصائد أسماك وغيرها.
استقلت محمية صومالي لاند من بريطانيا في 26 يونيو 1960م، إذ خرج المستعمر البريطاني بكل هدوء من مستعمرته لتصبح صومالي لاند أول المستعمرات الصومالية التي تنال حريتها واستقلالها. ثم بعد أسبوع واحد، وبتاريخ 1 يوليو 1960م، خرج الإيطاليون من الصومال الجنوبي والشرقي، لتبقى مقاطعة (جيبوتي) الساحلية تحت الاستعمار الفرنسي حتى نالت استقلالها في النصف الأول من العام 1977م، وبذلك تصبح كل الأراضي الصومالية حرة ومستقلة من نفوذ الدول الأوروبية.
بادرت صومالي لاند بالوحدة مع الصومال الإيطالي في العام نفسه، وتمت الوحدة تحت مسمى جمهورية الصومال الكبرى. شعب الصومال شعب مسلم بنسبة 100%، وله لغة صومالية واحدة، وثقافة وعادات وتقاليد شبه موحدة. ولكن بعد (18 عامًا) من الوحدة اندلعت خلافات سياسية بين النخب السياسية، وانفجر صراع سياسي قبلي اجتماعي مناطقي جغرافي، راح ضحيته الآلاف من مواطني إقليم صومالي لاند على يد حكومة الرئيس محمد سياد بري، التي استخدمت العنف المفرط ضد المواطنين العزل في المدن الرئيسية مثل مدينة هرجيسا، وبربرا، وبرعو، وعرقابو، ولسعانوت.
مما أحدثته الحرب شرخًا كبيرًا في العلاقات المجتمعية بين هرجيسا ومقديشو، والتي يتحكم فيها عادة المزاج القبلي في الصومال عامة.
وعلى إثر ذلك أعلنت جمهورية صومالي لاند انفصالها من طرف واحد عن الصومال الكبير في العام 1990م، ومنذ ذلك التاريخ وجمهورية صومالي لاند تسعى للاعتراف الدولي بها كدولة مستقلة ذات سيادة، ولكن لم تعترف بها أي دولة، إلا دولة إثيوبيا التي تتعامل معها لحاجتها إلى ميناء بربرا بعد أن أصبحت إثيوبيا دولة برية.
ويُعد اعتراف إثيوبيا اعترافًا منقوصًا وغير كامل، خوفًا من قوانين الاتحاد الإفريقي الذي يمنع تجزئة الدول الإفريقية وتشرذمها، ومقره في عاصمتها أديس أبابا.
كما أن هناك دولًا تتعامل مع صومالي لاند وكأنها دولة مستقلة، مثل مملكة الدنمارك، وتايوان، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ولكن هذه الدول أيضًا لم تعلن اعترافها على الملأ بأن جمهورية صومالي لاند دولة مستقلة ومنفصلة عن دولة الصومال الكبرى في مقديشو.
علاقتي بجمهورية صومالي لاند:
في العام 2001م، وأنا عائد من السودان في طريقي إلى كندا عبر إثيوبيا، وكالعادة لا بد أن أزور أعز الأصدقاء على قلبي في العاصمة أديس أبابا، وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم دقش، رئيس مجلس إدارة وكالة أنباء عموم إفريقيا (بانا برس) في الاتحاد الإفريقي، وحرمه الفاضلة الدكتورة بخيتة أمين، الإعلامية والأكاديمية المخضرمة، إلى جانب أعضاء السفارة السودانية: السفير عثمان السيد، والقنصل الكارب، وحسين جمعة مسؤول العلاقات الدبلوماسية بالسفارة، وعبد الله حسين رئيس قسم شؤون العاملين بالسفارة، وغيرهم.
في يوم ممطر، وعند العاشرة صباحًا، وصلت إلى مكتب الدكتور إبراهيم دقش، فوجدته يتحدث على الهاتف الأرضي، وعندما شاهدني ألقى الهاتف على المكتب ونهض من كرسيه وهرول إليّ في مشهد لا يخلو من صدفة المفاجأة وحرارة الشوق والمودة، والمحنة المعهودة في رجل المحبة الصادقة وطيب المعشر. طيب الله ثراه، الدكتور دقش.
بعد الأحضان جلسنا، ثم قال لي إنه نسي من كان معه على الخط في الهاتف عندما رآني. ثم اتصل بالدكتورة بخيتة أمين ليقول لها: «قبضت عليه، قبضت عليه يا أستاذة!»
قالت له: «ومن هو المقبوض عليه؟»
قال لها: «تخيلي يكون منو؟»
قالت: «والله ما عارفة.»
قال: «قبضت على بابكر حسن.»
قالت: «صحيح؟»
قال: «نعم.»
قالت: «أعطيني إياه.»
تحدثنا لدقائق، ثم قالت لي: «أعطني الدكتور»، وقالت له: «لازم تجيبوه معاك البيت نتغدى سوا، وما تخليهو يخرج، وسوف يهرب منك وما ح تلُم فيه، ح يزوغ منك.»
قال لها: «اطمئني.»
بعد جلسة مرحة وممتعة قال لي الدكتور: «أنت راجع كندا متى؟»
قلت له: «تذكرتي مفتوحة ولم أحجز بعد.»
قال لي: «إيه رأيك؟ هنالك مشروع أريدك أن تنفذه في مقاطعة أرض الصومال، وأنا عملت له تمويلًا مؤقتًا (Temporary Fund)، من نقابة السفراء العرب في أديس أبابا، والتي كان يرأسها السفير عثمان السيد.»
قلت له: «وما طبيعة المشروع؟»
قال: «أريدك أن تبدأ بإنشاء صحيفة عربية أسبوعية في العاصمة هرجيسا، وهذا المشروع موافق عليه من قبل حكومة أرض الصومال، فقط ينقصنا الكادر الذي يضع اللبنة الأولى للمشروع.»
ثم قال: «هناك مطابع تطبع صحفًا باللغة الصومالية، وصحيفة واحدة باللغة الإنجليزية، ونحن سوف نفتتح أول صحيفة عربية أسبوعية، والبلد أكثر أمنًا من أي دولة إفريقية، والصوماليون بطبعهم يحبون السودانيين ويحترمونهم أكثر من أي شعب عربي أو إفريقي.
فقط تأخذ معك الإكليشيهات العربية، وهي موجودة معي طلبتها من الإمارات.
ما عليك إلا أن تقوم بتركيبها على ماكينة الطباعة (الهايدلبيرج) وتطبع صحيفتك، وأيضًا تدرب شبابًا من الجنسين، لأن الكثيرين منهم من مواليد وتربية دول الخليج واليمن ومصر.»
ثم قال لي: «فكر في الموضوع وأعطني النتيجة سريعًا.»
وافقت على الفكرة لأنني أحب السفر واكتشاف المجتمعات الجديدة.
خلال أسبوع كنت في العاصمة هرجيسا، وقابلت وزير الإعلام آنذاك الوزير علي ورنعدي، ومدير الوزارة حسن عمر هوري.
عملوا إعلانًا في الراديو والتلفزيون والصحف المحلية بأن وزارة الإعلام ترغب في استيعاب شباب من الجنسين يجيدون اللغة العربية، ويفضل أن يكون المتقدم خريج جامعة أو معهد من أي دولة عربية.
يوم المعاينة حضر أكثر من عشرين شابًا وشابة، وقمت بالاختبار واخترت منهم أربعة شباب وثلاث فتيات.
قسمنا العمل حسب ما تقوم به الصحف الناطقة بالصومالية لديهم:
أخبار وتقارير محلية، وأحداث دولية، ورياضة.
في أول طبعة طبعنا عدد 2000 نسخة، تتكون الصحيفة من أربعين صفحة. نفدت الكمية في نهار نفس يوم الجمعة، وكان الراجع (صفر).
في يوم الاثنين قال لي وكيل الوزارة إن الرئيس محمد حاج إبراهيم عقال يود أن يراك في مقره الرئاسي. قلت له: حسنًا.
ذهبنا لمقابلة السيد الرئيس، الذي استقبلنا بكل ود وبشاشة، وقال لنا إنه يفخر ويعتز بالسودانيين، وكان أول قاضٍ عربي في زمن الاستعمار سودانيًا، ومن وضع لهم دستورهم الحالي سوداني، ومن أنشأ أول صحيفة عربية، صحيفة (القرن الإفريقي)، سوداني أيضًا.
فقال: «دوركم يا سودانيين، أينما حللتم ونزلتم، تتركون بصمات طيبة وخالدة في الوجدان.»
الصحيفة تعمل إلى تاريخ اليوم تحت عنوان القرن الإفريقي، وحملت اسمي كرئيس تحرير لها لمدة خمس سنوات تكريمًا لي، ثم قلت: شكرًا جزيلًا، يمكنكم أن تختاروا اسم رئيس تحرير آخر بدلًا عني.
الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية صومالي لاند دولة مستقلة؟
بتاريخ 26 ديسمبر 2025م، اعترفت إسرائيل بجمهورية صومالي لاند كدولة ذات سيادة مستقلة عن الصومال، وبتلك النتيجة احتفل مواطنو جمهورية صومالي لاند في الداخل والخارج أيما احتفال، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية في كل مكان احتفاءً بالقرار الإسرائيلي الذي فاجأ العالم.
حيث أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقراره واعترافه، الذي باركه ترامب، وقال إن اعتراف أمريكا بصومالي لاند لم يكن الآن على مكتبه جاهزًا للتنفيذ، ولكن «سِر في مسارك الذي اتخذته»، وكان هذا رد ترامب لحليفه نتنياهو.
أسباب ودوافع إسرائيل:
تقع جمهورية صومالي لاند في موقع استراتيجي هام جدًا، حيث تقع في البر الرئيسي لقارة إفريقيا على شواطئ خليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن.
إلى جانب ذلك، يوجد أكبر مطارات إفريقيا في ميناء بربرا، الذي قام الاتحاد السوفيتي ببنائه في منتصف سبعينيات القرن الماضي على مساحة تتجاوز (30 كم²)، لمواجهة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
ويُعرف بامتلاكه أحد أطول المدارج في إفريقيا، حيث يبلغ طوله (4140 مترًا)، وقد تم تجديده وتطويره مؤخرًا على يد شركات إماراتية ليصبح مجهزًا بأحدث التقنيات، ويخدم كبوابة جوية هامة للمنطقة، بالتعاون مع ميناء بربرا على ساحل البحر الأحمر.
كما أن القاعدة الإسرائيلية على سواحل جمهورية صومالي لاند تمكنها من الهيمنة والنفوذ على سواحل البحر الأحمر ومنفذ باب المندب من وإلى بحر العرب والمحيط الهندي في القرن الإفريقي.
وبذلك تكون كل الدول العربية على ضفتي البحر الأحمر تحت مجهر إسرائيل في البوابة الرئيسية الشرقية للبحر الأحمر دون أدنى شك، وتصبح إسرائيل المتحكم الرئيسي في الملاحة البحرية والأمن الاستراتيجي لحركة البواخر الإقليمية والدولية.
التهديدات المصرية والسعودية والتركية؟
إسرائيل تمكنت من مد نفوذها في القرن الإفريقي بواسطة صومالي لاند.
وللأسف، إسرائيل كثيرة الفعل دون الجعجعة بلا طحين، عكس الدول العربية والإسلامية.
ثم إن إسرائيل تعلم تمامًا حجم الأبواق العربية، ومدى فاعليتها وقدرتها على الفعل ضدها، لأنها لا تقدم على أي خطوة إلا بعد دراسة مستفيضة من جميع جوانبها وأركانها، ومدى مخاطرها المترتبة.
كما أن محمية صومالي لاند لديها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ولا سيما شراكة واستثمارات في حقول الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط بمليارات الدولارات.
السيسي فقط شاطر ويغرد عضلاته على السودان.
تركيا أيضًا لديها علاقات تجارية ضخمة مع إسرائيل، حيث تتحرك يوميًا من ميناء جيهان وغيرها من الموانئ التركية عشرات البواخر المحملة بالبضائع التركية إلى موانئ يافا وحيفا وعكا في إسرائيل.
أما السعودية فهي قريبة جدًا من التوقيع على الاتفاقيات الإبراهيمية مع الكيان الصهيوني، ولربما تكون قد وقعت سرًا، لأن هذا من شروط ترامب الأساسية والرئيسية مع دول الخليج الغنية بالنفط، وإلا فإن نموذج مادورو في فنزويلا عنوان بارز للجميع.
شير المقال قدر ما استطعت.
