تعليق على سياسات البنك المركزي السوداني للعام 2026

بقلم: الأستاذ/ محمدنور كرم الله كركساوي
ذكر بنك السودان المركزي أن توجهاته للعام 2026 تركز على توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والأنشطة ذات الأولوية، بما يسهم في خفض معدلات التضخم، وتعزيز مرونة واستقرار سعر الصرف، ودعم استعادة التوازن الكلي للاقتصاد، مع تبني مبادئ التمويل المستدام والتمويل الأخضر بما ينسجم مع التوجهات العالمية، إلى جانب تحسين إدارة العملة الوطنية.
التعليق:
رغم الإشارة إلى مرجعيات الأداء السابق للبنك المركزي خلال الفترة من 2002 وحتى 2025، والمؤسسات المالية التي استند إليها في صياغة سياساته، إلا أن هذه التوجهات أغفلت بشكل واضح المناخ السياسي العام الذي حكم أداء البنك طوال تلك السنوات، ولم تأخذ بالقدر الكافي تداعيات الحرب وآثارها الكارثية خلال العامين الأخيرين (2024–2025)، فضلاً عن الإصرار الرسمي على استمرارها.
المثير للدهشة والاستغراب أن توجهات البنك المركزي للعام 2026 تسير عكس رياح الواقع الذي تعيشه البلاد في ظل حرب مستمرة حتى اليوم، وتتعارض بوضوح مع خطابات حكومة رئيس الوزراء ورئيس مجلس السيادة التي تنادي باستمرارية الحرب في المستقبل.
فحتى رجل الشارع البسيط يدرك أن الحرب تقضي على الأخضر واليابس، وأن انعكاساتها السالبة على الاقتصاد الكلي مدمرة، إذ تؤدي إلى استنزاف شبه كامل للموارد المالية والبشرية، ما يعني أن المسار الحقيقي للاقتصاد هو الانهيار لا النمو. وقد بدأت بالفعل مؤشرات الانهيار الكلي في الظهور بعد حرب امتدت لما يقارب ثلاثة أعوام، ولا تزال مستمرة، شملت نحو نصف البلاد وتهدد النصف الآخر.
إن استمرار الحرب في غرب السودان وجنوبه يعني عملياً استمرارها في مناطق الإنتاج الرئيسية، سواء في الثروة الحيوانية أو الزراعية أو المعدنية، وعلى رأسها الذهب. يضاف إلى ذلك تشرد الأيدي العاملة بفعل القتل والنزوح واللجوء. وبناءً على توجهات الحكومة الداعية إلى استمرار الحرب، فإن ذلك يعني مزيداً من تدهور وسائل الإنتاج، الأمر الذي ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي، ويقوض فعالية السياسات التي أعلنها بنك السودان المركزي للعام 2026.
لا شك أن إصلاح السياسات النقدية والمصرفية يُعد ركناً أساسياً ومكملاً للهيكل الاقتصادي الكلي، غير أن البنك المركزي يحتاج إلى ديناميكيات وأدوات لا تتوافر في ظروف حرب شبه شاملة تعاني منها مختلف أقاليم البلاد. وقد أثرت هذه الظروف على مرجعيات ومرتكزات البنك المركزي التي صرح بها وبنى عليها سياساته للعام الجديد، والسبب بسيط: فمعظم الموارد – إن وُجدت – ستُوجَّه نحو التزامات وأولويات الحرب، وهو ما يضر بالمواطن والوطن، ويعطي مؤشرات سالبة لأداء البنك المركزي وقطاع المصارف، والبورصات، والتأمين، والأوراق المالية بصفة خاصة، فضلاً عن بقية الهياكل الاقتصادية.
كما أكد بنك السودان المركزي أن هذه السياسات تستهدف إعادة بناء بيئة مالية ومصرفية أكثر مرونة، ورفع كفاءة المصارف، وتعزيز متانة القطاعين المصرفي والمالي، وتحسين الرقابة والشفافية، بما يمكن الاقتصاد الوطني من تجاوز صدمات المرحلة الراهنة وتحسين إدارة العملة الوطنية.
ورغم أن هذا التوجه يبدو إيجابياً من حيث المبدأ، إلا أن البنك لم يوضح آليات التنفيذ في ظل انكماش كلي للاقتصاد تجاوز 20%، وانخفاض الناتج القومي الإجمالي بنحو 40%، إلى جانب النقص الحاد في الموارد الأجنبية والمحلية. وقد أثّر ذلك، ولا يزال، سلباً على أداء المصارف والسياسات النقدية والمالية، وعلى ميزاني المدفوعات والميزان التجاري، وتسبب في عجز متزايد عن سداد الدين العام وفوائد القروض المتراكمة (Arrear Debts).
كما أدى استمرار الحرب إلى توقف شبه كامل لقطاعات الاستثمار، بعد أن دمرت الحرب البنية التحتية والاقتصادية، وأصبح المناخ الاستثماري طارداً لكل المستثمرين، بما في ذلك المستثمرون الوطنيون والمغتربون. ونتيجة لذلك، حدث شح كبير في موارد العملات الأجنبية، ما أضعف القدرة الشرائية للجنيه السوداني، ورفع معدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، فانهارت قيمة الجنيه من نحو 450 جنيهاً للدولار في بداية الحرب إلى قرابة 3650 جنيهاً حالياً، مع احتمالات وصوله إلى 5000 جنيه للدولار إذا استمرت الحرب خلال عام 2026.
وقد انعكس ذلك في ارتفاع جنوني للأسعار، وتآكل دخول المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، الذين يدفعون الثمن الأكبر لهذه السياسات والخيارات.
وبناءً على توجهات الحكومة الداعية إلى استمرار الحرب، فإن سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 ستظل أقرب إلى أحلام جميلة، لكنها غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع في ظل النزيف المستمر للموارد، ونزوح الأيدي العاملة، وانسداد الأفق الاقتصادي.
وكان الله في عون الشعب السوداني

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.