19 ديسمبر «من “دبكة” إلى “شهاب” سيرة ضوء لا ينطفئ
بقلم: الزين عثمان
قبل سبعين عامًا، نهض رجلٌ من نيالا، اسمه عبد الرحمن محمد إبراهيم دبكة، في برلمان السودان ما قبل الاستقلال، داخل ذلك المبنى الذي شاءت مفارقات التاريخ أن يعود لاحقًا مسرحًا للجنة تفكيك تمكينهم. يومها لم يرفع إصبعه ليُشير، بل ليُصوّب الحقيقة في عين الغريب، وقالها كما تُقال الكلمات التي تغيّر مجرى التاريخ في وجه المستعمر: «تسقط بس».
كانت الكلمة أصغر من الحلم، لكنها حملت وطنًا كاملًا على كتفيها، ومضت به نحو دفاتر الدول كاملة السيادة. في ذلك اليوم وُلد سودان الاستقلال، وإن شئت سمِّه سودان 56.
ومضت الأعوام ستة عقود ويزيد، تغيّر وجه الزمان وتبدّل المسرح. صار الجوع سيّد اللحظة، وكانت عطبرة هي القصيدة؛ القصيدة التي أنشدها حميد: الشعب الطيب عطبرة البرة يا منبع الثورات. وكان الوجه الآخر للحقيقة يهتف: المهدي حي ما مات.
صبيٌّ في المدرسة الصناعية، اسمه شهاب عادل، يردّد ذات الكلمة: تسقط بس، كأنها خُلقت لتُقال على لسانه. قلب قدرة الفول في مطعم صغير، لكن القدر كان أكبر من الفول، وأثقل من المطابخ؛ كان قدر وطن كامل وحلم جديد اسمه ثورة ديسمبر.
قلبها، فقلب معها جبل الآلام بأكمله، وأسقط البشير ونظامه في مزبلة التاريخ، وجذعوه من كرسي الحكم خلف مصنع الكراسي، وردّد مع الملايين ذات الأمنية القديمة: سودان حر، وشعب موفور الكرامة.
بين نيالا 1955 وعطبرة 2018 تغيّر كل شيء، وبقي شيء واحد لا يتبدّل: التاسع عشر من ديسمبر. يوم وُلد الوطن استقلالًا، ثم وُلدت الثورة استمرارًا. ظل الحلم واحدًا: السودان للسودانيين، يمشون على ترابه، وتظلّلهم شمسه بقيم الحرية والسلام والعدالة.
في عطبرة، وقبلها في مايرنو والدمازين، وفي كل قلب حر، وُلد سودان ديسمبر. وما أجمله من وطن! خرج فيه جيل “راكب راسو”، عنيد كالحقيقة، مصمم على إكمال المسير.
فتية وصبايا، معجونون بطين الإخفاق، ومجروحون بقهر وظلم أولي القربى، اختاروا لحظة موت الأحلام موعدًا لميلاد حلمهم. كتبوا أسماءهم في دفاتر الخلود حين رأوا جدار الوطن ينهار، فنهضوا إليه، وحملوه على أكتافهم، ومنحوه عيونهم ليرى فجر الخلاص قادمًا.
كانت «قدّام» عندهم أكثر من مجرد كلمة؛ كانت مشروع خلاص وطريقًا نحو باكر. وفي مسيرهم كانوا يهدهدون بلادهم:
صبرك لو طال ما باقي كتير
يا بلادي وجّعتِنا
البيكِ تبقالنا نفير.
ولأنهم من طينةٍ براها، اختاروا أوان نهاية الأحلام ميقاتًا لبداية حلمهم، وسجّلوا أسماءهم في قواميس الخلود بوصفهم الديسمبريين. كل ما في الحكاية أنهم أجمل من تفاصيل الحكاية نفسها؛ الحكاية التي ابتدأها أحدهم في عطبرة، حين قلب بقدمه قدرة الفول في وجه البشير وسلطته، ثم مضى ليحرق المبنى الأخضر، كما يفعل لاعب يُحرز هدفًا في مرمى صديقه في البلايستيشن، وهو يهتف: تسقط بس.
في ديسمبر تجلّت العظمة في المواكب التي خرجت من الأزقة الرحبة في الأحياء، ومن الشوارع والأسواق. تجلّت في الخطوات المتناغمة، وفي الهتافات التي صعدت من القلوب قبل الحناجر. وكانت الساعة الواحدة ميقات الثورة؛ ساعة يتجلّى فيها مجد الشعب السوداني، حيث يُهزم الخوف، ويصير الحلم أقوى من الرصاص، وصوته أعلى من كل أدوات القمع.
ورغم هذا المجد، لم تُترك الثورة لتسير في طريقها كما أراد لها الشعب. تعرّضت لمؤامرات عديدة؛ رموا بأسد أفريقيا خلف مصنع الكراسي، لكنهم – ولسوء حظهم وحظه – جاءوا بالبرهان من ذات المصنع، فانفتحت أبواب النار: انقلابات، مكائد، ثم حرب، وحوّلوا مجد السلمية إلى مجد للبندقية.
واليوم، في عام الثورة السادس، يعرف الديسمبريون والديسمبريات أن الحرب ليست طريق المستقبل، وأن رفضها ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل موقف أخلاقي وإنساني ووطني.
الحلم الذي خرجوا من أجله لا يصنعه السلاح، بل تصنعه القلوب التي تنبض بالخير والحق والسلام. رفض الحرب هو موقف ديسمبر؛ تلك التي فتحت أبواب العودة لتجار السلاح، الذين قرروا أن يدفع الديسمبريون فاتورة كونهم الجيل الذي أراد وضع نهاية للانقلابات العسكرية، وهم العالمون بمضاعفات حكم العسكر الواجب سقوطه.
كانت لحظة مفصلية تلك التي توافق فيها السودانيون على الاستقلال والحرية، كما كانت لحظة خاصة جدًا حين توافقوا على الثورة. بين الديسمبريين كانت الحكاية حكاية شعب قرر أن تكون إرادته هي الفاصلة والحاسمة. دفع الفاتورة مرة حين انتهى المآل بالاستقلال إلى لحظة احتفالية فُرّغت من معناها.
وهو ذات ما حدث مع ثوراته المتكررة، لكن في ديسمبر كان الواقع مختلفًا: يقينٌ بحتمية الانتصار، إيمانٌ بأن دماء الشهداء لن تذهب هدرًا. يطول الزمن أو يقصر، سيعود هدير الشوارع، وستعود الأصوات التي علّمت العالم معنى السلمية. سيعود النازح واللاجئ ليكتب الفصل الأخير من الحكاية:
حكاية شعب رفض الظلم، واجه الخوف، تحدّى الحرب، وأصرّ أن يكون المستقبل كما يريده هو لا كما يُراد له.
يقول الديسمبريون: لا كبير في ديسمبر غير شهدائها، وكلٌّ يسعى ليكون جديرًا بهذا المقام. لا قداسة إلا لليقين، ولا دهشة في أن ينضج الرجال في نار المواقف. فديسمبر لا تصنع أصنامًا، بل تصنع بشرًا أحرارًا.
ديسمبر ليست ذكرى، إنها وعد؛ وعد قطعه الأحرار منذ أول خطوة في الشارع: لا عودة من منتصف الطريق. ديسمبر ليست حدثًا عابرًا، بل روح تُحيا، وصوت يبقى، ومسار لا ينتهي إلا حين تتحقق أحلام الشعب كاملة عبورًا وانتصارًا.
حينها فقط، سيحتضن دبكة الجد شهاب الحفيد، ويشتعل نور سودان ديسمبر، حيث تمشي الحرية نحو العدالة بسلام، ويُتوَّج الوعد نصرًا يفكك المليشيات، ويعيد الجيش إلى ثكناته
