
«اقفز مثل الفرعون»: كيف تعيد مصر تسويق تاريخها من السماء؟
القاهرة، الغد السوداني- في زمنٍ تبحث فيه السياحة العالمية عن تجارب “غير اعتيادية”، تتقدّم السماء بوصفها منصة جديدة لرواية التاريخ. ليس من الأرض هذه المرّة، ولا من خلف حواجز المتاحف، بل من ارتفاع آلاف الأقدام، حيث تتحوّل أهرامات الجيزة من معلم أثري إلى مشهد كوني، يُرى دفعة واحدة، بلا وسائط ولا شروحات.
هكذا تبدو تجربة “Jump Like a Pharaoh – اقفز مثل الفرعون”، التي تحتضنها مصر سنويًا ضمن مهرجان القفز المظلي الدولي، بوصفها واحدة من أكثر تجارب السياحة المغامِرة تطرفًا وفرادَةً في العالم، ومثالًا حيًا على كيف يمكن للتاريخ أن يُعاد تقديمه خارج القوالب التقليدية.
حين يطلّ التاريخ من نافذة الطائرة
من سطح الأرض، يزور ملايين السياح أهرامات الجيزة كل عام. يلتقطون الصور، يتأملون الحجارة العملاقة، ويغادرون بانطباع محفوظ سلفًا. لكن من السماء، تتغيّر القصة بالكامل.
في السقوط الحر، يصبح الهرم الأكبر وخفرع ومنكاورع تشكيلًا هندسيًا نابضًا بالحياة، لا مجرد آثار صامتة. هنا، لا تفرض الذاكرة المدرسية نفسها، بل يتشكّل وعي بصري جديد، يرى الحضارة المصرية القديمة بوصفها فكرة لا وزن لها، لكنها راسخة منذ آلاف السنين.
هذا ما يدفع قافزين محترفين من مختلف أنحاء العالم للعودة عامًا بعد عام، كما يقول المصوّر والمظلي الاسكتلندي إيوان كوي، الذي يصف التجربة بأنها “جمعٌ غير قابل للتكرار بين حداثة متطرفة وعراقة لا تُقاس بالزمن”.
السياحة كحدث عالمي… لا كزيارة عابرة
لم يعد مهرجان “اقفز مثل الفرعون” مجرّد فعالية رياضية. في نسخته الثامنة، تحوّل إلى حدث سياحي دولي استقطب أكثر من 250 رياضيًا نفذوا ما يزيد عن 1350 قفزة جوية فوق أهرامات الجيزة، في رقم قياسي يُسجَّل كأكبر تجمع لرياضات جوية في تاريخ مصر وإفريقيا.
استخدام طائرات عسكرية من طراز C-130 ومروحيات Mi-17 منح الحدث بعدًا استثنائيًا، ليس فقط من حيث التنظيم، بل من حيث الرسالة:
مصر، بتاريخها الثقيل، قادرة على الدخول إلى سوق السياحة المغامِرة العالمية دون التفريط في رمزيتها الحضارية.
السماء كمساحة للسلام
بعيدًا عن الأرقام والإنجازات، يحمل الحدث بعدًا إنسانيًا واضحًا. الرياضي الأميركي كيث إدوارد سنايدر (Kēbē)، الذي حطم رقمًا قياسيًا عالميًا في الدوران الهوائي فوق الأهرامات، شارك في القفز إلى جانب الرياضي السعودي عمر الحجيلان في محاولة لتحويل السماء إلى مساحة رمزية للسلام.
الفكرة بسيطة وعميقة في آن:
قافزون من ثقافات وخلفيات مختلفة، يلتقون فوق أحد أقدم رموز الحضارة الإنسانية، في لحظة سقوط حرّ تُعلّق فيها الجغرافيا والسياسة والتاريخ، لصالح معنى إنساني واحد: الانسجام.
سياحة المستقبل… حين تغادر الأرض
ما يميّز تجربة “Jump Like a Pharaoh” ليس عنصر الإثارة وحده، بل قدرتها على إعادة تعريف السياحة الثقافية. لم تعد الزيارة مجرّد استهلاك للمكان، بل مشاركة جسدية وعاطفية في قصته.
من هنا، تفتح هذه التجربة أسئلة أوسع:
كيف يمكن للدول ذات الإرث الحضاري الضخم أن تطوّر سياحة معاصرة دون تحويل التاريخ إلى سلعة؟
وكيف يمكن للمغامرة أن تكون بوابة جديدة لفهم أعمق للهوية؟
في سماء الجيزة، يبدو الجواب واضحًا:
أحيانًا، لا تحتاج الحضارة إلى شرح… يكفي أن تسقط فوقها، لتفهمها.
