سرديات

A eulogy to my former self..
أي رثاءٌ لذاتي التي كانت!

ولد أخدراني؛
كان شديد الاعجاب بعيدي أمين؛ كقائد أفريقي، قادر على تطهير القارة، مما لحق بها من دنس المستعمر!

ولد أخدراني..

كان بيننا بؤرة الضوء التي تلتقي عندها الأشعة فيورث المكان حيث كان؛ ائتلاقا معرفيا يذيب العتمة فتنداح وتتلاشى في بحر من حلو الحديث ..

قصير القامة..
ابنوسي البشرة..
وقّاد الذهن، كان..

ولد أخدراني؛
موسوعي الثقافة كان يعمّر نفوسنا بكل جميل و مفيد لأنه في نظرنا جميعا، كان حين يحدثنا، يبحر في أفق مفتوح من حلو الحديث؛ لا تلوح له خواتيم؛ فنستزيده ونحن أمامه جلوس؛ كأنما على الرؤوس الطير..

عن الأغاريد المشتهاة التي تغنت بها ايقونة النضال الأفريقي *مريام ماكيبا* يحدثنا وعن فلسفة *ستيف بيكو في الحراك الطلابي ضد *الابارثيد* وفرقة *ماو ماو* وزعيمها *جومو كنياتا،* يبحر بنا متكئا على علم دفّاق..

يحدثنا فننبهر مشدوهين بطلاوة الحديث وعمق الافكار والحض على الغوص في عمق الموروث الافريقي..

ولد أخدراني؛
أدهشني نقاء علاقته مع الآخر، ما جعلني اتخذه صفيّاً من زملاء مهنة، جمعتنا دورة تدريبية في العاصمة الهندية، خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي..

*دوغلاس كونجوجي* صحافي من ملاوي  كان يتميز بذكائه الحاد ولغته الانجليزية الخالية من لُكنة تعتورها أو عُجمة تفسد طلاوتها أو  تقلل عذوبتها..

زميلات وزملاء عديدون من غانا وملاوي وزامبيا واندونيسيا ومليزيا ونيجيريا ومصر والعراق وسوريا وسريلانكا، كانوا كلهم  يشيرون إليه بالبنان إن جاء الحديث عن التميز في كتابة التقارير الصحفية او الإجادة في فن الخطابة..جمعتنا دورة تدريبية في مجال الصحافة استضافتها جامعة دلهي في العاصمة الهندية..ألحقتني وكالة السودان للأنباء بهذه الدورة؛ والتي امتدت قرابة عام كامل؛ خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي..

سألته ذات مرة مداعباً لِمَ تحمل اسماً غربياً وأنت أفريقي كما يقول لون بشرتك وملامح وجهك؟..

قال لي إنه ولد في مدينة تسمى بلانتير Blantyre وهي ثاني أكبر مدينة في ملاوي..بلانتير الوجود الغربي (الانجليزي) فيها، واضح في حياة الناس ..التعليم وسلوك الافراد والحياة الاجتماعية كلها تأثرت وبقدر كبير بالنمط الانجليزي ( نياسالاند استقلت عن الحكم البريطاني عام ١٩٦٤ واعادت تسمية نفسها ب “ملاوي”)..

زوجته أيضا تحمل اسماً غربياً Ruth..وهي خلاسية فجدها لأبيها هولندي وأمها من نياسالاند (ملاوي).. وإلى هذا الجد ينسب قول أطلقه حين وقع أسيراً في جنوب أفريقيا أيام إيان سميث فسارت به الركبان:

War is not just the shower of bullets and bombs from both sides, it is also the shower of blood and bones on both sides..
أي:
*الحرب ليست فقط زخات من الرصاص والقنابل يتبادلها طرفاها وإنما هي نزيف دافق من الدماء وأشلاء بشرية تتناثر على ضفتي الحرب*..(القول ينسب لونستون شيرشل أيضاً)..

قالت لي إن هذا الاقتباس جاء في مذكرات جدها حين وقع أسيراً لدى مجموعة من مقاتلي جنوب أفريقيا أثناء نضالها ضد حكومة *إيان سميث* في روديسيا الشمالية…

رُث Ruth زارت الخرطوم مع زوجها دوغلاس، ايام انعقاد القمة الأفريقية في الخرطوم، خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي..جاء على حسابه الخاص لحضور القمة واجراء لقاء مع *عيدي أمين*..أذكر ان وفد يوغندا في تلك القمة وزع على الصحافيين قمصان (تي شيرتات) عليها صورة عيدي امين يجلس على مقعد ضخم يحمله اوروبيون (المغزى واضح!)..ما زلت احتفظ بهذا القميص وربما صار مصدر اهتمام لدار Christie’s للمزادات العالمية ذات يوم😅..

زارت رُث مع زوجها مقر سونا القديم في تقاطع شارع الجمهورية مع شارع القصر..

من الاقسام التي اعجب بها دوغلاس من بين الاقسام الأخرى قسم الجهاز الفني ..

قال لي وهو يغمز بعينه لرفيقة دربه: اعجابي ليس فقط بسبب التقدم التقني الباهر،  وإنما اعجابي يعود، وبقدر أكبر، إلى هذا الجمال الفتّاك الذي تتميز به حسناواتكم.. لو أنني زرتُ هذا المكان من قبل، لما رافقتني رُث اليوم..يقول ذلك ضاحكاً ورُث  Ruth ترمقه بنظراتٍ لا تخلو من غَيْرَة!

صدق *الولد الأخدراني* فقسم الجهاز الفني كان يضم عصرئذ فتيات من أجمل حسناوات بلادي..هذه حقيقة!

رُث هي التي بعثت لي بقصيدة رثاء النفس
A eulogy to my former life
التي كتبها زوجها وأعجب بها -كما قالت لي في رسالتها الاليكترونية التي  تلقيتها بتاريخ ١٢ مارس ٢٠٢٣- *عبد الرزاق قرنة* التنزاني البريطاني الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام ٢٠٢١..

قالت لي: إن *قرنة* وصف القصيدة بأنها من أجمل ما قرأه عن رثاء النفس: Self eulogy
وهي القصيدة التي  يقول فيها هذا الصديق الملاوي:

أُغمِضَت عيناي بلطف..
ملاك أبيض من البياض..
Whiter than white
مسح جبيني كقطر الندى وهمس في أذني:
تناول قهوتك الصباحية؛
ثم اصطفي رفيقتك بقبلة الوداع الأبدي..

قالت إن زوجها كتب هذه القصيدة ورحل عن دنياها في صبيحة اليوم التالي!

تحكي القصيدة عن لحظات الموت كيف تسربل الشاعر إلى جانب تمسكه بحبه لزوجته رُث وهو في الرمق الأخير وتمسكه كذلك بكل صور الحياة المبهجة التي من شأنها أن تخفف من استغراقه في المصيبة وتحول دون تهالكه..إنها ذات الصور التي تناولها شعراء عرب جاهليون ومخضرمون كالشاعر الجاهلي *عبد يغوث بن وقاص الحارثي*  والأموي *مالك بن الريب التميمي*..

دفعتنا الجامعية (آداب جامعة الخرطوم ١٩٧١) ما زال التواصل بيننا على أشده..والفضل في ذلك، يعود لصديقي الجميل الاستاذ *عثمان عووضة* في إنشاء قروب عزز من التواصل بيننا بحيث أصبحنا نلتقي من وقت لآخر في جلسات صفاءٍ ومؤانسة..  كان آخر هذه اللقاءات المستعذبة، خلال الأيام الأخيرة من رمضان، على سطح مركب عائم قبالة قاعة الصداقة..ذكريات الون او تو 102 والنشاط وحديث الصفاءات وسفر العيون مع الناعسات عيونن تتوسطهن نجمة أخرى تطأ الثرى في دلال؛ فتغازلها (البنشات) زهرا وعطرا؛ ويسري في أوصال مَن عليها؛ فرحٌ غيداق؛ ثم يأتي الحديث عن مارس شهر الكوارث وما يورثه من حزن نبيل!

قبل ان تطأ قدماه أرض أي لقاء مقرر من هذه اللقاءات، تستبقه إلينا ابتسامة عريضة تنم عن نقاء وحب لعموم البشر، وكأننا بها تريد أن توجز لنا محصّلة نهائية مفادُها أن قضاء بعض السويعات بين أبناء تلك الدفعة المميزة، ترويح عن النفس،  بعيداً عن مآلات الحاضر، التي لا تسر.. تبقى هذه الابتسامة طوال فترة جلستنا حيث كانت، مضيئةً، وهو يحكي لنا، فقط عند الضرورة، حكايات في تفاصيل ممعنة، تشنف الآذان، وكأنها عمل أدبي رائع يساق إلى جمهرة من المستمعين المشدوهين بسحر  الحديث..وتاتي هذه الضرورة،  عندما يرى هذا الصديق الجميل،  أن ثمة عبرة تتيحها المناسبة، وينبغي توظيفها في قالب فكاهي ممتع..فيسرد لك واقعة اجتماعية او تاريخية عامة من قرية الكردة (قريته)  من قرى شندي، يحكيها برشاقة وعفوية متوقفا أثناء ذلك، عند مآس فردية أو نوادر مبهجة أو ملح مضحكة، متمماً بها اللوحة الكبرى بإبراز ما يعمرها من خطوط صغرى معبرة، كأننا بصديقي ابن الكردة ( *الأستاذ محمد جاد الله الوادي*) يزاوج بين الكل والجزء ليخرج حديثه عملا فنياً متكاملاً من حيث الواقع التاريخي الشامل والواقع الإنساني الفردي..سواء كان ذلك الواقع موقفا بين العلامة البروف *عبد الله الطيب* والدكتورة *سلمى الخضراء الجيوسي* حول الشعر المرسل او كان حديثا عابرا جاء أثناء مشاركته مزارعا من اهله في قرية الكردة  في قلع محصول البصل..

شكرا أخي الحبيب محمد جاد الله الوادي على حرصك على ان تدوم  هذه اللقاءات وتتواصل بين ابناء دفعة ذلك الزمن الجميل، والتي من بين فوائدها العديدة أن أعرتني ذات لقاء، كتابا يتحدث عن شاعر جاهلي اسمه *عبد يغوث بن وقاص الحارثي* يعد هو أول شاعر عربي يستن ما يعرف اليوم بشعر *رثاء النفس* Self eulopgy..

ربما أتناول  في احدى السرديات القادمات إن أمدَّ الله في الاعمار، بعض ما قاله هذا الشاعر الجاهلي ومقارنته مع ما قاله *مالك بن الريب التميمي* يوم مات وهو في طريق عودته مع جيش سعيد بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما…

من أشهر الأبيات التي ذكرها *عبد يغوث* وهو يرثي نفسه ذلك الذي يصف نفسه أسيرا في معركة خاضها:

*وتضحك مني شيخةٌ عبشميّةٌ،*
*كأن لم ترن قبلي أسيراً يمانيا..*

مذاق الأسر كما العلقم مرٌّ يا رعاك الله.

وقصة ذلك أن الذي أسر عبد يغوث، وهو الفارس المغوار، فتىً من بني عمير بن عبد شمس يقال له عصمة، وكان هذا غلاما نحيفا فلما رأت الشيخة العبشمية (نسبة إلى عبد شمس) الشاعر الأسير أعجبها جماله، فقالت له: من انت؟
قال أنا سيّد القوم، وهو بالفعل كان زعيم قبيلته الذي لا يعصى له أمر..

فضحكت الشيخة وقالت: قبّحك الله، تقول سيد قوم و أسرك مثل هذا! اي هذا الفتى (الجقد او الجقود!).. و *الجقود* بلهجة اهلنا النوبة الرجل الضعيف عديم الحيلة..