رسالة البرهان إلى ترامب: تحوّل نحو السلام أم مناورة لكسب الوقت وتفادي الضغوط الدولية
مهدي داود الخليفة يكتب ..
لماذا اختار الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة السوداني، هذا التوقيت تحديدًا ليبعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يؤكد فيها التزام السودان بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعداد حكومته للعمل (بنية صادقة) من أجل تحقيق سلام عادل ودائم؟
هل نحن أمام تحوّل حقيقي في موقف القيادة العسكرية من الحرب، أم أمام محاولة سياسية لإعادة ترتيب العلاقة مع واشنطن، واحتواء الضغوط الدولية، وكسب الوقت في معركة تتجاوز ميادين القتال إلى ساحات الدبلوماسية والعقوبات والمساءلة الدولية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي قراءة الرسالة في سياقها السياسي والعسكري، لا الاكتفاء بعباراتها الدبلوماسية. فالسلام لا يُقاس بما تتضمنه الرسائل من تعبيرات إيجابية، وإنما بما يصاحبها من قرارات عملية، واستعداد لتقديم التنازلات الضرورية، والالتزام بوقف إطلاق النار، وفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي ينهي احتكار السلاح والسلطة.
لم تأتِ رسالة البرهان في فراغ سياسي. فقد سبقتها تطورات متراكمة في علاقة واشنطن بالسلطة القائمة في بورتسودان، من بينها رفض منح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، فضلًا عن تشديد العقوبات الأمريكية المرتبطة باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.
كما شهد الخطاب الرسمي الأمريكي تحولًا لافتًا في توصيف السلطة السودانية. فبحسب ما جاء في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2026 الخاص بالاتجار بالأشخاص، اتجهت واشنطن إلى استخدام وصف (الحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية). بدلًا من الاكتفاء بتسمية (حكومة السودان)، مع تغيير توصيف البرهان من الرئيس الفعلي للدولة إلى رئيس فعلي للحكومة المرتبطة بالقوات المسلحة.
ان هذا التحول في دلالته السياسية، يعكس تراجعًا في التعامل مع السلطة القائمة بوصفها ممثلًا سياسيًا كاملًا للدولة، ويضعها في إطار أكثر ارتباطًا بالمؤسسة العسكرية التي تستمد منها سلطتها الفعلية.
وهنا يبرز السؤال: هل أدرك البرهان أن استمرار الحرب لا يهدد موقعه العسكري فحسب، بل قد يفاقم أيضًا عزلة السلطة التي يقودها، ويضيّق هامش حركتها الدبلوماسية والاقتصادية؟
إن توقيت الرسالة يبرر طرح هذا السؤال، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن البرهان أرسلها استجابة مباشرة لضغط بعينه. والأرجح أن الرسالة ينبغي قراءتها في إطار مجموعة من الضغوط المتداخلة، لا باعتبارها نتيجة عامل منفرد.
من أخطر الملفات التي تحيط بالقيادة العسكرية السودانية الاتهامات الأمريكية المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية.
ففي أبريل 2025، أعلنت الولايات المتحدة أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، ثم فرضت عقوبات إضافية دخلت حيز التنفيذ في يوليو 2026، بعد أن اعتبرت أن السودان لم يستوفِ الشروط المطلوبة لتجنبها. وقد رفضت السلطات السودانية هذه الاتهامات، وطعنت في مشروعية الإجراءات الأمريكية. وفي الخامس من سبتمبر 2026، نشرت صحيفة ( واشنطن بوست) تحقيقًا استند إلى وثائق وصور ومقاطع فيديو ورسائل منسوبة إلى مسؤولين عسكريين سودانيين، تناول برنامجًا سريًا لإنتاج ذخائر كيميائية، وجهودًا لإخفاء آثاره. وأشار التحقيق إلى مراسلات منسوبة إلى مسؤولين عسكريين، من بينها رسائل قيل إنها تضمنت معلومات عن البرنامج وعلاقته بقيادات في المؤسسة العسكرية. هذه التطورات تطرح سؤالًا جوهريًا: هل أسهم تصاعد الضغوط المرتبطة بهذا الملف في دفع البرهان إلى إعادة حساباته السياسية؟
من الصعب استبعاد هذا الاحتمال، خاصة أن القضية لا تتعلق بعقوبات اقتصادية عابرة، بل باتهامات تمس الالتزامات الدولية المتعلقة بحظر الأسلحة الكيميائية، وقد تترتب عليها آثار قانونية ودبلوماسية طويلة الأمد.
لكن من الضروري التمييز بين مسؤولية القيادة السياسية والعسكرية عن أعمال مؤسسات الدولة، وبين إثبات العلم الشخصي أو إصدار الأوامر في واقعة محددة. فإثبات علم البرهان بالبرنامج المزعوم أو مشاركته في التستر عليه يتطلب أدلة وتحقيقًا مستقلًا.
ومع ذلك، فإن الرسالة الموجهة إلى ترامب لا يمكن فصلها سياسيًا عن هذا المناخ. فهل يسعى البرهان إلى فتح نافذة تفاوضية تخفف الضغوط الأمريكية، أم أنه مستعد فعلًا لمعالجة أسباب الخلاف، بما في ذلك التعاون مع الجهات الدولية المختصة للتحقق من الاتهامات؟
إن الاختبار الحقيقي لا يكمن في الرسالة، بل في استعداد السلطة لقبول الرقابة والتحقق المستقلين، والتعامل مع المساءلة باعتبارها التزامًا قانونيًا لا ورقة تفاوضية.
من أكثر جوانب الرسالة إثارة للاهتمام اقتراح البرهان إجراء مشاورات ثلاثية تضم السودان والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بشأن الهدنة، بدلًا من التعامل مباشرة مع الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات.
فالرباعية ليست مجرد تجمع دبلوماسي عابر، بل إطار يجمع أطرافًا إقليمية ودولية ذات مصالح وتأثيرات مختلفة، وقد طُرحت من خلاله مبادرات تهدف إلى وقف الحرب وتهيئة الطريق أمام عملية سياسية.
فلماذا اقتراح الثلاثية؟ ولماذا استبعاد مصر والإمارات من هذا المسار المقترح؟
يمكن قراءة هذه الخطوة من عدة زوايا.
أولًا، قد يكون البرهان راغبًا في تضييق دائرة التفاوض، وحصر المشاورات في أطراف يعتقد أنها أكثر قدرة على التأثير المباشر في قراراته، أو أكثر استعدادًا لمراعاة بعض تحفظاته بشأن الهدنة وترتيباتها.
ثانيًا، قد يعكس الاقتراح محاولة لإعادة تشكيل المسار الدبلوماسي بما يمنح القيادة السودانية مساحة أكبر للمناورة، بدلًا من الدخول في مفاوضات ضمن إطار رباعي سبق أن طرح مقترحات لا تتوافق بالضرورة مع جميع شروطها المعلنة.
ثالثًا، ربما يكون الهدف الحصول على دعم أمريكي وسعودي مباشر، مع تجنب الخلافات التي قد تنشأ عن تعدد الأطراف وتباين أولوياتها، أو عن التصورات المختلفة لدور مصر والإمارات في الأزمة السودانية.
لكن لا توجد، في حدود المعلومات المعلنة عن الرسالة، أدلة كافية للجزم بأن استبعاد مصر والإمارات كان هدفًا مقصودًا لإقصائهما نهائيًا من عملية السلام. فقد تكون الثلاثية مقترحة لتنسيق محدد بشأن الهدنة، لا بديلًا كاملًا عن الرباعية.
ومع ذلك، فإن لهذا الاختيار دلالة سياسية تستحق المتابعة، خصوصًا أن نجاح أي اتفاق مستدام يتطلب معالجة مصادر الدعم الخارجي للحرب، وضمان التزام الأطراف المؤثرة بوقف إمدادات السلاح، وعدم السماح باستخدام الأراضي الإقليمية لتوسيع الصراع.
والسؤال الأهم هنا ليس عدد الدول المشاركة في الاجتماع، وإنما ما إذا كانت الآلية المقترحة ستنتج وقفًا فعليًا لإطلاق النار، وآليات مستقلة لمراقبته، وضمانات تمنع استئناف الحرب، أم أنها ستتحول إلى مسار تفاوضي إضافي يستهلك الوقت دون نتائج ملموسة.
جاءت رسالة البرهان متزامنة مع حديث مستشاره السياسي عن مقترح مشاورات جادة مع واشنطن، وعن تنسيق ثلاثي بشأن الهدنة التي طرحها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية.
كما نشر البرهان مقالًا في مجلة ( فورين بوليسيForeign Policy) بعنوان ( كيف نجلب السلام إلى السودان؟)، عرض فيه تصورات تشمل وقفًا دائمًا لإطلاق النار، وإبعاد المقاتلين والأسلحة عن المناطق المدنية بمساعدة الأمم المتحدة، وبناء جيش وطني موحد تحت إشراف مدني، وإجراء حوار سوداني يمهد لوضع دستور وتنظيم انتخابات.
هذه الأفكار، في ظاهرها، تقترب من مطالب ظل قطاع واسع من السودانيين والقوى المدنية يطرحها منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
لكن المشكلة ليست في إعلان الالتزام ببناء جيش وطني أو انتقال مدني؛ بل في مدى استعداد القيادة العسكرية للقبول بالنتائج السياسية المترتبة على ذلك.
فإذا كان البرهان يقبل فعلًا بجيش موحد خاضع لسلطة مدنية، فإن ذلك يقتضي إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية في الدولة، وإنهاء توظيفها أداةً للحكم السياسي، والقبول بسلطة مدنية ذات شرعية دستورية، لا مجرد حكومة تعمل تحت وصاية القيادات العسكرية.
كما أن الحديث عن حوار سوداني لا يكتمل إذا اقتصر على القوى المسلحة أو الجهات التي تختارها السلطة، واستبعد القوى السياسية والمدنية التي ناضلت من أجل الاستقلال، أو شاركت في ثورة ديسمبر 2018، أو دافعت عن الانتقال الديمقراطي.
والسلام الذي يستبعد هذه القوى لن يعالج جذور الأزمة، بل قد يعيد إنتاجها في صورة جديدة.
إن فرضية أن الرسالة تستهدف كسب الوقت أو تحييد الولايات المتحدة فرضية سياسية معقولة تستحق النقاش، لكنها ليست حقيقة مثبتة.
فمن مصلحة أي قيادة تواجه ضغوطًا عسكرية ودبلوماسية واقتصادية أن تسعى إلى تخفيف الضغط الخارجي، ومنح نفسها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، ومنع خصومها من احتكار العلاقة مع القوى الدولية المؤثرة.
وقد تكون رسالة البرهان محاولة لطمأنة واشنطن إلى أن بورتسودان لا ترفض السلام من حيث المبدأ، وأنها مستعدة للتفاوض، مع السعي في الوقت نفسه إلى التأثير في شكل الهدنة وشروطها وآليات تنفيذها.
لكن هناك احتمالًا آخر لا ينبغي تجاهله: ربما أدركت القيادة العسكرية أن استمرار الحرب يفرض تكاليف تتجاوز قدرتها على الاحتمال، وأن التسوية السياسية أصبحت ضرورة لتجنب مزيد من التدهور.
وقد يجتمع الهدفان؛ إذ يمكن للقيادة أن ترغب في وقف الحرب، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى حماية موقعها السياسي والتفاوض من موقف أقوى.
لذلك، فإن الحكم على الرسالة باعتبارها مناورة خالصة أو تحولًا صادقًا لا ينبغي أن يستند إلى النيات المفترضة، بل إلى ما سيحدث بعدها.
هل ستقبل القيادة هدنة محددة زمنيًا وقابلة للتحقق؟ هل ستسمح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق؟ هل ستلتزم بوقف استهداف المدنيين المعارضين لاستمرار الحرب؟ هل ستقبل آلية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النار؟ وهل ستوافق على جدول واضح للانتقال إلى حكم مدني؟
هذه هي الأسئلة التي تفصل بين المبادرة الجادة والمناورة السياسية.
في المقابل، لا يمكن اختزال مستقبل السودان في موازين القوى العسكرية وحدها. فالتقدم الميداني لأي طرف لا يعني بالضرورة قدرته على بناء دولة مستقرة أو كسب الشرعية السياسية.
وقد أفرزت الحرب واقعًا إنسانيًا واقتصاديًا بالغ القسوة، تمثل في النزوح الواسع، وتعطل مؤسسات التعليم والصحة، وتراجع الإنتاج، وتدهور قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار الغذاء، واتساع دائرة الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وكلما طال أمد الحرب، ازدادت احتمالات تفكك المؤسسات الوطنية، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة، وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية وحماية المواطنين.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به البرهان، كما ينبغي أن يواجه به قائد قوات الدعم السريع، ليس من يملك فرصة تحقيق انتصار عسكري أكبر، بل من يمتلك الاستعداد لإنقاذ السودان من حرب تدمر الدولة والمجتمع معًا.
إن رفض استمرار الحرب لا يعني تبرئة أي طرف من الجرائم أو الانتهاكات المنسوبة إليه، ولا يعني التنازل عن حق الضحايا في العدالة. بل إن السلام المستدام يتطلب وقف القتال، وحماية المدنيين، والتحقيق المستقل في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، بعيدًا عن الانتقام الجماعي أو الإفلات من العقاب.
كما أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يكون مدخلًا لعودة النظام السابق أو إعادة إنتاج سلطة الإسلاميين عبر المؤسسة العسكرية. فالسودانيون الذين خرجوا في ثورة ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة لا ينبغي أن يجدوا أنفسهم أمام تسوية تعيد البلاد إلى نقطة البداية.
إن رسالة البرهان إلى ترامب تمثل تطورًا سياسيًا يستحق الاهتمام، لكنها لا ترقي في حد ذاتها الي مشروع اتفاق سلام، ولا دليلًا قاطعًا على تغير الاستراتيجية العسكرية.
وإذا كانت الرسالة تستهدف تخفيف الضغوط الأمريكية، فإن الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق ذلك لا يمر عبر الخطاب الدبلوماسي وحده، وإنما عبر إجراءات عملية يمكن التحقق منها: قبول هدنة واضحة، وتسهيل العمل الإنساني، والتعاون مع آليات التحقيق المستقلة، ووقف أي دعم للتشكيلات المسلحة الخارجة عن إطار جيش وطني مهني، والالتزام بعملية سياسية مدنية شاملة.
أما إذا كانت الرسالة بداية مراجعة حقيقية، فإن على البرهان أن يثبت ذلك بقبول عملية سلام لا تحتكرها القيادة العسكرية، ولا تفرض نتائجها على القوى السياسية والمدنية، ولا تستخدمها لإطالة عمر السلطة القائمة.
فالسلام ليس امتيازًا تمنحه القيادة العسكرية للشعب، ولا منحة تقدمها واشنطن أو الرياض أو أي عاصمة أخرى. إنه حق للسودانيين، ومسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف التي أسهمت في إشعال الحرب أو استمرارها.
الخلاصة أن السؤال ليس لماذا كتب البرهان إلى ترامب، بل ماذا هو مستعد أن يفعل بعد أن كتب إليه. فإذا أعقبت الرسالة خطوات ملموسة نحو وقف الحرب والانتقال المدني، أمكن اعتبارها بداية تحول سياسي. أما إذا ظلت مجرد إعلان للنوايا، بينما استمرت العمليات العسكرية وتعددت مسارات التفاوض وتعطلت المبادرات، فسيظل احتمال كسب الوقت قائمًا، وستبقى الشكوك بشأن جدية التحول مبررة.
لقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا لحرب لم يختاروها، وليس من حق أي طرف أن يتعامل مع معاناتهم باعتبارها ورقة تفاوضية. المطلوب اليوم ليس انتصار طرف على آخر، بل إنقاذ السودان، واستعادة الدولة، وإقامة سلام عادل يحفظ وحدة البلاد وكرامة شعبها، ويفتح الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي لا تعلو فيه سلطة السلاح على إرادة المواطنين.
