قمة العلمين: شطرنج الدم والأسطورة؟!
الجميل الفاضل يكتب:
في ذاكرة الإقليم الممتد من الهضبة الإثيوبية إلى مصب الدلتا يقينٌ قديم، يرى في النيل أكثر من مجرى ماء؛ يراه شرياناً لقدَرٍ يتنفّس عبر القرون، وميزاناً تُوزَن به مصائر الممالك والدول.
ولطالما ارتبطت أرض كوش – في التصورات التوراتية والإنجيلية، وفي السرديات الكنسية الإثيوبية القديمة – بكونها مسرحاً للتحولات الكبرى، يتداخل فيها المقدّس بالدنيوي، وتقترن عندها النبوءات بالجغرافيا.
ولذلك، حين نقرأ الحاضر بعينٍ تتجاوز سطح السياسة، تبدو النزاعات المائية والصراعات الدموية كأنها استئنافٌ لمتوالية أقدم، تتراقص فيها الأسطورة مع المصلحة، والماء مع الدم.
ففي المخيال الغيبي القديم ذكرٌ لأزمنة الشدة والانحباس، وعن جدار يُرفع في الجنوب ليسدّ المجرى، وعن صراع بين «ملك الأعالي» وسلاطين المصب، تصبح فيه أرض كوش ــ السودان ــ الممرّ الذي تعبره الجيوش والميدان الذي تتقاطع فيه الفتن والمصالح الكبرى.
ويقف «أباي»، النيل الأزرق المقدّس، في قلب المخيال الإثيوبي كرمزٍ للماء والقوة والبعث.
وبالطبع، لا يبدو سد النهضة من هذه الزاوية مجرد كتلة من الخرصانة والحديد، بل يبرز كمحاولةً لاستعادة مركزية ضائعة، ولتحويل الماء إلى مداد لكتابة تاريخ جديد.
أما السودان فيطلّ من بعض النصوص القديمة بوصفه «الأرض المخروقة بالأنهار»، فضاءً معلّقاً على حافة التحولات، مفتوحاً على شدٍّ وجذب بين قوى أكبر من حدوده. وهنا يكفّ الماء عن أن يكون مورداً فقط، ليصبح فعلاً سياسياً قد يتحوّل حبسه أو إطلاقه في لحظة حرجة إلى شرارة تشعل الإقليم بأسره.
المهم أن بعض هذه التصورات قد تلتقي عند ذروة واحدة: أن الضغط المائي قد يبلغ أقصى مداه لا لينتهي بالعطش والموت، وإنما ليمهّد لانقلاب كبير في موازين القوة، بحدثٍ مفاجئ يكسر الجدار ويفتح مجرى جديداً للتاريخ، فيعاد رسم خرائط النفوذ الأفريقي على نحو مختلف.
لكن المفاجأة أن الأسطورة لا تقف هنا وحيدة؛ فالفيزياء الأرضية وعلوم المناخ والاستشعار الفضائي تقول بحقيقة لا تقلّ إثارة عن تلك النبوءات القديمة، تقول: إن النيل ليس ثابتاً في مجراه ولا في عطائه، تحكمه دورات من الوفرة والشح. وبالتالي فإن سنوات الجفاف الممتد قد تكون أشدّ قسوة من سنوات الفيضان.
إذ في زمن الوفرة تستطيع السياسة أن تؤجّل صداماتها، أما حين يطول الشح تلتقي حاجة المنبع إلى الطاقة والتنمية مع حاجة المصب إلى الماء والحياة على نحوٍ أكثر حدّة، وقد يتحوّل الخلاف من تفاوض حول سدّ إلى صراع على معنى البقاء نفسه.
في هذه المعادلة أيضًا يقف السودان كجغرافيا معلّقة بين ماءين: ماء المنبع وماء المصب، وقد يتحوّل إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فوقها المصالح الإقليمية.
فيما تضيف دراسات وكالة ناسا عن المياه الجوفية العميقة – التي أشار إليها الدكتور فاروق الباز – طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ يمتد خزان الحجر الرملي النوبي عبر دارفور حاملاً في أعماقه إمكاناً جديداً لإعادة توزيع القوة حتى داخل الجغرافيا السودانية ذاتها.
وهكذا قد تصبح الخريطة المائية خريطةً للقوة، لا مجرد خطوط باهتة على الورق.
ومن هذه النقطة، يمكن قراءة السياسة والسلاح بوصفهما أدوات في صراع أعمق يدور حول الماء والممرات والجغرافيا، حيث تتشابك التكنولوجيا مع الأسطورة، والمصلحة مع الذاكرة؛ لتكشف قمة العلمين – بما أظهرته من تقارب مصري ــ إريتري ــ صومالي، في مواجهة المشهد الإثيوبي – عن محاولة لإعادة رسم خارطة تموضع إقليمي جديد حول البحر الأحمر والقرن الأفريقي وحوض النيل.
وللحقيقة، فالماء لا يتحرّك وحده؛ إنما تتحرّك معه الموانئ والحدود والتحالفات وموازين الردع.
على أيّة حال، يقف في قلب هذه الرقعة المضطربة السودانُ، الذي لا تجري حربه في فراغ عبثي كما كنا نظن؛ إذ كلما استنزفت الحرب الدولة وأضعفت قدرتها على حماية حدودها ومواردها وقرارها، ازدادت هشاشة الجغرافيا الوسطى نفسها، لتتحوّل إلى مساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية كمنصة مثالية لإعادة كتابة مستقبل المنطقة.
وهنا ينكشف الوجه الأخطر في شطرنج الدم: حربٌ تبدو أهلية في ظاهرها، قد تتقاطع في أعماقها مع صراعات أوسع حول الموانئ والممرات والموارد.
لكن إلي الآن، تظل المواجهة المباشرة مؤجّلة ما دامت الدبلوماسية قادرة على احتواء التوتر، بيد أن الأمر قد يصبح أشدّ خطورة عندما يلتقي جفاف ممتد، بإحساس وجودي بالتهديد، خاصة لدى دولة مثل مصر.
عند هذه النقطة تتقاطع الأسطورة مع الفيزياء؛ فما يبدو نزاعاً حول سدّ قد يكون في جوهره صراعاً على إعادة تعريف الإقليم برمته: من يملك الماء؟ من يتحكّم في الممرات والموانئ؟ من يمتلك قرار الجغرافيا؟ ومن يدفع ثمن إعادة توزيع القوة؟
لهذا لا يبدو حوض النيل والقرن الأفريقي اليوم مسرحاً لأزمة مائية عابرة، لكنهما أضحيا فضاء لمخاض إقليمي طويل تتجاور فيه الكتل الاسمنتية مع النبوءات، والتكنولوجيا مع الذاكرة، والدبلوماسية مع السلاح.
في وقتٍ سيواصل فيه النيل – الذي ظلّ عبر آلاف السنين أكثر من نهر – أداء دوره القديم: يجمع حول مجراه الحياة، ثم يجمع حول مجراه والحياة، الصراع.
عموماً، التاريخ قد يعيد كتابة نفسه هذه المرّة بالسياسة والدبلوماسية، ثم ربما بالسلاح.
لكن السؤال القديم سيظلّ معلّقاً في الأفق: ماذا سيحدث حين يصبح الماء قدَراً، ويصبح القدر نفسه محل صراع؟
تظلّ الإجابة معلّقة بين الهضبة والمصب، بين النهر والصحراء، وبين الأسطورة والفيزياء.
وقد يكون السودان، مرة أخرى، الصفحة التي يُكتب عليها هذا الفصل الجديد، لا لأنه اختار العاصفة، إنما لأن الجغرافيا اختارته منذ البداية ليكون مفصلاً استراتيجياً في قلب هذه المنطقة والإقليم.
