شح الوقود والغلاء: مواطنون بين خيارين أحلاهم مر

الخرطوم/ الغد السوداني – أمين محمد

تتفاقم أزمة الوقود في العاصمة والولايات لتشكل واحدة من أعقد العقبات المعيشية والاقتصادية أمام الشارع السوداني، وسط تضارب في الآراء حول طبيعة الأزمة؛ أهي نتاجُ اختلالاتٍ في أليات التحرير والتسعير، أم تبعات طبيعية لغياب الدعم وتكاليف الاستيراد؟

“العودة” فتحت الملف واستطلعت آراء عدد من المواطنين والمتخصصين للوقوف على أبعاد الظاهرة وتداعياتها المباشرة على حركة السوق والإنتاج.

حلول هيكلية

يُشدد الخريج في مجال الاقتصاد والعلوم الإدارية، محمد علي محمد، على أن المنطق القائل بأن «توفُّر السلعة بسعر مرتفع خيرٌ من انعدامها» يُعدّ تسويغاً غير مقبول للزيادات المتتالية؛ إذ تواصل أسعار المحروقات تصاعدها دون مبررات موضوعية. ويرى أن الربط الصوري بين أسعار الوقود وسعر صرف الدولار يتسم بالتناقض؛ حيث ترتفع أسعار المشتقات البترولية فور قفز العملات الأجنبية، لكنها لا تنخفض إطلاقاً عند تراجعها.

ضغوط معيشية

ويُحذّر محمد من التداعيات المباشرة لهذه الارتفاعات على سلاسل الإمداد والتكلفة المعيشية؛ إذ تتسبب زيادات الوقود في موجات غلاء متصاعدة تطال المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية كالدقيق والسكر والخبز. كما يمتد الأثر السلبي بشكل حاد إلى القطاعات الخدمية وأصحاب الأعمال الصغيرة، ولا سيما العاملين في قطاع التوصيل ونقل البضائع، الذين يواجهون ارتفاعاً باهظاً في أسعار قطع الغيار وتكاليف التشغيل، في مقابل ثبات المقابل المالي الذي يدفعه المستهلك، مما أدى عملياً إلى اتساع الفجوة بين الدخل والمنصرفات العادية.

تحرير وهمي

وفي تحليله لأليات التسعير، يرى الباحث الاقتصادي أن ما يُثار حول «تحرير أسعار الوقود» لا يعدو كونه تحريراً صورياً؛ نظراً لاستمرار التدخل الحكومي المباشر في فرض السقف السعري. ويؤكد أن التحرير الاقتصادي الفعلي يقتضي ترك المنافسة الحرة بين محطات الخدمة لتعكس التكاليف التشغيلية لكل شركة، بينما يستوجب دور الدولة حماية المستهلك عبر دعم وتوفير المحروقات في المنافذ التابعة لها لفرض سعر توازني خافض للأسعار في السوق.

اختلال هيكلي

ويستدل محمد على حالة الاختلال الهيكلي في إدارة ملف الطاقة بظاهرة تفوق سعر الجازولين (الديزل) على البنزين لعدة أشهر متتالية، وهو مسار مغاير للقواعد الاقتصادية والتاريخية لتسعير المشتقات. ويكتسب هذا الاختلال خطورة مضاعفة لكون الجازولين العصب المحرك لقطاعات الإنتاج والنقل الجماعي والشاحنات التجارية؛ ما يعني أن ارتفاعه ينعكس تلقائياً على كافة الخدمات والسلع.

الوقت والإنتاجية

على الجانب الآخر، يذهب المواطن محمد صلاح السيد السر إلى زاوية مختلفة في تقييم الأزمة، مؤكداً أن توفر الوقود حتى وإن كان بسعر مرتفع يُعدّ خياراً أفضل وأقل ضرراً من تركه بسعر مخفض مع الانعدام التام للسلعة. ويرى محمد صلاح أن السعر المرتفع يدفع المستهلكين تلقائياً إلى إدارة استهلاكهم بعقلانية عبر ترشيد الرحلات وتحديد الأولويات الضرورية؛ إذ إن تكلفة الوقت الضائع وساعات الانتظار المنهكة داخل صفوف المحطات تُشكل خسارة مادية وبدنية تفوق بفارق كبير الفارق السعري الناجم عن الارتفاع.

 

آلية التسعير

وحول طبيعة إدارة ملف المحروقات، يوضح صلاح أن قطاع الوقود مصنف عملياً ضمن السلع المحررة التي تديرها شركات خاصة. ويقتصر دور الدولة في الوضع الطبيعي على جانب الرقابة الضابطة عبر الأجهزة المختصة لمراجعة موازنات السوق وتكاليف التشغيل لوضع تسعير استرشادي وسقف محدد يمنع الجشع، مبيناً أن التحديات الهيكلية الراهنة هي التي أضعفت كفاءة هذه الآلية الرقابية.

 

ضغوط السوق

ويستشهد صلاح بأسوق الطاقة البديلة كغاز الطهي حينما حاولت الجهات الحكومية سابقاً فرض سقف سعري منخفض، مما أدى إلى توقف العرض وبروز أزمة ندرة حادة، قبل أن تنتهي الأزمة بالرضوخ لمتطلبات آليات العرض والطلب والقبول بالسعر الحر. ويخلص إلى أن أسعار الوقود تخضع بالكامل لتقلبات السوق وتكاليف المستوردين، مؤكداً أن الأولوية القصوى للمواطن تتمثل في ضمان استدامة الإمدادات وانسيابها.

 

 أصل الأزمة

وفي سياق متصل، ينفي المواطن أكرم عز الدين إمكانية تنصل السلطات الحكومية من أزمة الوقود أو القول بضعف سيطرتها على آليات التسعير؛ مؤكداً أن الدولة تُعدّ المستهلك الأكبر للمشتقات البترولية في البلاد، فضلاً عن كون قطاع الطاقة أحد أهم الموارد الاقتصادية السيادية. ويرى عز الدين أن إبعاد هذا الملف الحيوي عن دائرة إشراف وتوجيه وزارتي المالية والمعادن يُعدّ خللاً تنظيماً غير منطقي.

 

تراجع الدعم

ويُرجع عز الدين الأسباب الحقيقية وراء الانفلات السعري الشديد إلى السياسات الحكومية القائمة على التراجع المتدرج عن دعم السلع والخدمات الأساسية. ويستحضر في هذا السياق التجربة السابقة لثنائية «الوقود المدعوم والتجاري» التي كانت توازن بين حركة السوق والقدرة الشرائية للمواطنين، موضحاً أن رفع مظلة حماية الموارد الرئيسية ألقى بظلاله الثقيلة على كاهل المستهلك.

 

ضرورة التدخل

ويختتم عز الدين حديثه بالإشارة إلى أن الطبيعة الاستثنائية للظروف الراهنة تتطلب عودة الدولة لدعم المدخلات والموارد الاستراتيجية، بما ينعكس على تحديد أسعار عادلة تتناسب مع المقدرة المالية للشرائح الضعيفة. وأكد أن تعافي الاقتصاد والوصول إلى الاستقرار المعيشي يظلان مرهونين بتكامل الرؤية الرسمية مع حاجات المواطن اليومية.