إقالة حكومة “العَوَقة” تنتظر فقط إزالة “عائق” أطراف جوبا لتنتهي شراكة عرس الزين
محمد كندشةيكتب
قبل أن يطأ كامل إدريس بوابة رئاسة الوزراء، نعته خبير الحوكمة الدولي الوليد مادبو بـ “العَوَقة”، ثم تدارك تحت ضغط المذيع فقال: عائق. وما إن قبض الرجل الحقيبة حتى بان صدق النبوءة من أسبوعه الأول، فهو – كما يقول السودانيون في أدبياتهم – “زكاة بيتهم وكرامة أبوه وأمه”.
ولو استعرنا مرآة الطيب صالح في “عرس الزين” لانكشف المشهد بجلاء. كان الزين أبله قرية ود حامد ومهرجها، لا يحسن إلا الرقص في الملمات، حتى قرر الحنين إمام القرية أن يزوجه نعمة، أجمل بناتها وأعقلها. وكذلك صنع البرهان، جاء برجل من وراء البحار بلا حزب ولا حاضنة ولا تجربة سياسية، وزوجه حكومة الأمل، أجمل أحلام السودانيين في الخروج من عنق الزجاجة. فتساءلت القرية كما تساءل الناس اليوم: أنّى لنعمة أن ترتضي الزين؟
وظني أن القصد لم يكن إنجاح المدنية بل إفشالها، ليقول للشعب: “دي المدنية الدايرنها”. أراد البرهان ديكورا مدنيا لحكومة حرب قامت على أنقاض انقلاب وتربع على رأسها سبع سنين. فلم يستر ثوب كامل الشفاف سوأة الدولة، وبانت عورتها يوم حجبت عنه تأشيرة دخول الأمم المتحدة، وبقيت عضوية السودان معلقة في الاتحاد الأفريقي. وسقط لقب رئيس مجلس السيادة بسقوط الوثيقة الدستورية، وسقطت شرعيته الثورية يوم سحل الثوار أمام القيادة العامة، فلم يبق له إلا سيف الجيش.
وقد تعمد البرهان تركه يغرق بلا سلطة حقيقية، لأن ميزانية الدولة نصفها للبارود ونصفها الآخر في جيوب الجنرالات وتجار الحرب. فكان الضعف مقصودا والفشل مدارا، ليكسب وقتا أطول، ويماطل الداخل والخارج، ويلعب على التباينات طمعا في كرسي ما بعد الحرب.
غير أن الفشل المدار انفلت من عقاله. عبثت قرارات تغيير العملة، واضطربت سياسات بنك السودان في شراء الذهب، ولم تفلح الوديعة السعودية في تسكين جرح الاقتصاد “المنوسر”، فهوى الجنيه، واستنفد المواطن وسعه، وبلغت القلوب الحناجر.
وفي الموازاة سقط الرهان دوليا. فحمدوك، على ما عليه من مآخذ، يملك رصيدا متراكما وشبكة علاقات جعلت العالم يتعامل معه كعنوان مدني قابل للتفاهم. أما كامل إدريس فقد قدم بلا خطاب ولا مشروع ولا حاضنة، فلم يشتره المجتمع الدولي ولم يبع له، حتى حلفاء الجيش أنفسهم في ملفات العون وإعادة الإعمار نظروا إليه كواجهة منتهية الصلاحية لا يصح التعاقد معها. فاتسع الفارق بين بديل له وزن وديكور من ورق، وصارت الحكومة عبئا يقلل من إسناد الخارج للسودان.
وجاءت واقعة ماسورة الاختبار أمس لتختصر كل فجوة الثقة. سيق رئيس الوزراء إلى حتفه السياسي بينما السودانيون يصطفون أياما أمام محطات الوقود. فما كان منه إلا أن غادر مكتبه وصنع مشهدا دراميا مضحكا، هاتفا أمام إحدى الطلمبات: “مافي أزمة”، كررها ثلاثا. ويقيني أن من أشار عليه بهذه الجولة ألقى به في استفتاء شعبي قاس لا يمحو أثره إلا ركوب طائرة العودة بتذكرة الإياب التي ما زالت في جيبه.
فالمواطن لا يعبئ خزان سيارته بتصريحات الوزارة ولا يسير ببيانات المستودعات. هو يرى الطوابير تمتد من الفجر، ومحطة تغلق أبوابها، وأخرى تعتذر “لا يوجد بنزين”، وثالثة تحجب البيع ترقبا لتسعيرة جديدة، والجالون الحكومي بأربعين ألفا والسوق السوداء بثمانين ألفا. الأزمة إذن ليست في الورق، بل في الوصول والانسياب والتسعير. وحين يكذب الواقع التصريح، لا يبقى إلا ماسورة اختبار تكشف العورة. أن تقول الحكومة لا أزمة ويرى الناس الأزمة بأعينهم، فتلك هي الأزمة الكبرى، أزمة الثقة.
لذلك اضطر البرهان للانتقال من مرحلة توظيف الفشل إلى مرحلة التضحية بالفاشل. فكانت قرارات إعادة الإشراف على الجهاز التنفيذي إلى الفريق أول ركن شمس الدين كباشي والفريق مهندس إبراهيم جابر، إعلانا بأن حكومة الأمل تمضي إلى مثواها الأخير. ليست قناعة مفاجئة، بل انتهاء صلاحية ورقة أدت وظيفتها في حرق كرت المدنية، وحان الآن حرق صاحبها.
والآن تعلو أبواق البرهان، ممن حضروا مأدبة السلام في روتانا وصافحوا السفاح، مبشرة بوجوب الإقالة، بعد أن دخل الرجل غرفة العناية المشددة بزيارة المحطة التي كشفت ضحالة فكره، فما فعله لا يعدو مهام مدير نقل وبترول في محلية إدارية.
ويبقى الفارق الجوهري. فزين الطيب صالح كان فال خير، ما ذكرت فتاة على لسانه إلا تزوجت وسترت، وكان صادق القلب فأحبه الناس وختم له بسعادة. أما زيننا فلا فال خير فيه ولا صدق، من ذكرهم نكبوا، ومن راهن عليه خسر، حتى ماسورة الاختبار التي رفعها أمس شهدت عليه لا له. فكان عرس الزين الأول فرحا، وهذا العرس مأتم.
والخلاصة أن إقالة حكومة العوقة لم تعد مسألة هل، بل مسألة متى، وهي تنتظر فقط إزالة عائق مقاعد أطراف سلام جوبا، لينتهي عرس الزين وتعلن نهاية الشراكة.
