حيدر إبراهيم علي.. حين يصبح الفكر ذاكرة وطن
نادية السر علي تكتب
هناك أشخاص نعبر معهم جزءاً من الطريق، ثم نكتشف بعد سنوات أن حضورهم في حياتنا لم يكن عابراً. يتركون في الذاكرة شيئاً من كلماتهم، ومن مواقفهم، ومن الأسئلة التي أثاروها، وربما من الأماكن التي جمعتنا بهم.
كان المفكر السوداني الراحل حيدر إبراهيم علي واحداً من هؤلاء.
تعمقت معرفتي به و لحسن حظي في مرحلة شديدة الأهمية من تاريخ السودان؛ مرحلة الانتقال التي أعقبت ثورة ديسمبر وسقوط نظام الثلاثين من يونيو. كانت البلاد وقتها تعيش لحظة استثنائية، تختلط فيها الآمال الكبيرة بالمخاوف والأسئلة الصعبة حول مستقبل الدولة والمجتمع والديمقراطية.
وفي تلك المرحلة، كان حيدر إبراهيم علي حاضراً بفكره وتجربته، باعتباره واحداً من الأصوات السودانية التي ظلت منشغلة بقضايا الدولة والمجتمع والديمقراطية والثقافة، وبالسؤال الأكبر: كيف يمكن أن نبني سوداناً مختلفاً؟
لقاء في زمن التحولات
كانت علاقتي بحيدر مرتبطة إلى حد كبير بذلك المناخ العام الذي صنعته الثورة. كنا نعيش زمناً يبحث فيه السودانيون عن مساحات جديدة للحوار، وعن مؤسسات تستطيع أن تستعيد دورها بعد سنوات طويلة من التضييق على العمل العام والثقافي والفكري.
ولذلك كان الحوار معه يتجاوز الحديث الشخصي. كان السودان حاضراً دائماً في التفاصيل.
كان من الصعب أن تجلس مع حيدر إبراهيم علي دون أن تشعر بأنك أمام رجل يحمل ذاكرة طويلة من التجربة السودانية، وأن حديثه ليس مجرد رأي في حدث عابر، وإنما محاولة لفهم جذور الأزمة وما يمكن أن يكون عليه المستقبل.
مركز الدراسات السودانية
ومن أهم الذكريات التي تجمعني بتلك المرحلة مساهمتي في توفير موقع لمركز الدراسات السودانية في الخرطوم، بشارع الجامعة، في المقر السابق للتعايش الديني.
بالنسبة لي، لم يكن توفير المكان مجرد مساعدة لوجستية أو إجراء إداري.
كنت أؤمن بأن السودان الذي خرجت جماهيره إلى الشوارع مطالباً بالحرية والسلام والعدالة يحتاج إلى أكثر من التغيير السياسي. كان يحتاج إلى إعادة بناء مساحات المعرفة والحوار، وإلى استعادة المؤسسات التي يمكن أن تطرح الأسئلة وتوثق التجربة وتفتح النقاش حول مستقبل البلاد.
أحياناً نختزل العمل العام في القرارات الكبيرة والأحداث السياسية المعروفة، وننسى أن التحولات التاريخية تُبنى أيضاً من مبادرات صغيرة لا تجد طريقها دائماً إلى صفحات التاريخ.
توفير مكان لمؤسسة ثقافية أو بحثية قد يبدو أمراً بسيطاً، لكنه يصبح ذا معنى عندما ندرك أن المؤسسات تحتاج إلى مساحة حتى تستطيع أن تعمل، وأن الأفكار تحتاج إلى مكان حتى تلتقي وتتفاعل.ولهذا أعتز بأنني كنت جزءاً من تلك الخطوة.
لم أكن أرى الأمر باعتباره خدمة لشخص أو مؤسسة فقط، بل كنت أراه مساهمة متواضعة في إعادة فتح المجال أمام الفكر والثقافة بعد سنوات من إغلاق المساحات العامة.
اليوم، وبعد رحيل حيدر إبراهيم علي، أعود إلى تلك الذكريات بشعور مختلف.
فالإنسان عندما يكون داخل الحدث لا يدرك دائماً قيمة التفاصيل الصغيرة التي يعيشها. لكن بعد مرور الزمن، تصبح بعض التفاصيل جزءاً من ذاكرة مرحلة كاملة.
وأكتب لأن حيدر إبراهيم علي لم يكن مجرد اسم في قائمة المفكرين السودانيين، وإنما كان جزءاً من زمن حاول فيه السودانيون أن يفتحوا نافذة جديدة نحو المستقبل.
رحم الله حيدر إبراهيم علي ولتبقَ سيرته وفكره وأسهامه الثر كلها حاضرة في ذاكرة السودان
