“ارجعوا كان تقدروا”.. انتهاء الصلاحية
محمد عبدالله كندشة يكتب ..
من أكثر اللحظات الفارقةً في خضم حرب أبريل، وبحسب مرجعية فلسفة الجيش، مسألة شق صف الدعم السريع باستمالة قيادات كبرى ذات ثقل ووزن، وعلى رأسها النور القُبّة، كأحد أبرز القادة الميدانيين المؤسسين لنواة الدعم السريع.
فالرجل جنرال من “أصحاب بدر”، خاض مع هذه القوات أشرس المعارك وزامل حميدتي وقع الحافر بالحافر، وعايش كل تحولاتها وتموضعاتها؛ منذ كانت حرس حدود، مروراً بانتسابها لجهاز الأمن، وصولاً إلى استصدار قرار برلماني من حكومة الإنقاذ بشرعنة الدعم السريع وتحويله إلى قوة مساندة للجيش وضعت حداً للتمرد في دارفور ونالت ثقة المخلوع حين خلع لقب “حمايتي” على قائد الدعم السريع. والعبارة تُقرأ في سياق تلك الفترة بذات التوصيف “التمرد على الدولة” الذي تسبغه الدولة الآن على الدعم السريع، وهو ذات التصنيف والتوصيف الذي كان يُطلق سابقاً على حركات دارفور المقاتلة الآن في صفوف الجيش والتي تُدلّع اليوم بـ “حركات الكفاح المسلح”.
والقُبّة هو صاحب العبارة الشهيرة في إحدى المعارك الضارية مع قوات حركة العدل والمساواة، وكان حينها يحمل بندقية الجيش: “العدو ولّى هارباً ولا أقول هذا نهايتاً”. وكان الجنرال القُبّة أبرز القادة الذين شاركوا في حصار الفاشر وإسقاطها، ويمثل سقوط الفاشر أحد أبرز معالم هذه الحرب، لأنها كانت تمثل رمزية سيطرة الجيش على دارفور، وكان صمودها إحدى قصص الحرب التي تُروى لمناصري الجيش تحت شعار “الفاشر شنب الأسد”. فالقُبّة، دون غيره، متورط في إهدار آلاف الأرواح والجراح في فاشر السلطان، كما هو مسؤول عن آلاف الأرواح التي أُزهقت إبان حرب دارفور في بداية الألفية الجديدة.
وبعد عودة النور القُبّة، عقب التحولات الكبرى التي أسرت الشيخ موسى هلال من دامرة مستريحة إلى شاليهات بورتسودان، كان تغيير السرديات لتلائم خطاب المرحلة ضرورة، فالعقل الجمعي لداعمي الحرب كان يتمحور حول شعار “بل بس”. فاجتهد مشرّعو حرب الكرامة في إيجاد تكييف منطقي وعقلاني، فكانت البداية بفتوى من الشيخ عبد الحي يوسف، مفادها أن هذه العودة بمظانها المتعددة خير وفير لمعسكر الكرامة، كون القُبّة “عدو شديد البأس يُخشى نِزاله”، فكان الغطاء الشرعي. وكان الغطاء المنطقي حاضراً أيضاً بالحديث عن أن العودة هي “استسلام”، وعودةٌ من صفوف التمرد “أذلة صاغرين” مطأطئي الرؤوس، يشملهم “العفو الرئاسي” ويُسقط عنهم الحق العام ويُجمد الحق الخاص إلى حين، وربما في هذا المنوال يكون مصير ضحايا الفاشر كمصير ضحايا فض الاعتصام.
وثمة قضايا ملحة تتعلق بآلاف المعتقلين في سجون الخرطوم بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، وهي ذات صلة بالعفو الرئاسي عن النور القُبّة. وبذات المنطق، يُفترض أن المواطن الذي تُرك في أماكن سيطرة قوات الدعم السريع “حملٌ وديع” لا حول له ولا قوة، وتحت ضغط ظرف قاهر هو غياب الدولة وسقوط حمايتها، وفي سبيل البقاء كان لا بد من التعاون المفترض. وحتى لو افترضنا أنه عاون قوات الدعم السريع عسكرياً واستخباراتياً وشارك في المعارك، وهو الآن في سجون الدولة وتحت رحمتها، فهو أولى بهذا العفو. فالمناط بالدولة استتابته وإدماجه في حضن الوطن، وإخلاء السجون، وعدم إهدار الرجال، وعدم الكيل بمكيالين، فالمواطن المجبور والمغلوب على أمره أحق بهذا العفو.
ومن باب “الجفلن خلّهن”، فإن الحديث اليوم يتجاوز مسألة المعتقلين والفارين من البطش إلى الحسرة والألم والأسف على أرواح المواطنين التي أُزهقت عشية دخول الجيش إلى الجزيرة والخرطوم؛ أبرياء ومتعاملون ومتعاونون، في أيام سوداء من تاريخ الحرب شهدت تصفيات وحشية بالذبح والسحل والإعدام رمياً بالرصاص والتمثيل بالجثث. وكان لدواعش السودان القدح المُعلّى في تلك الجرائم التي ارتكبوها بدم بارد دون أن يرمش لهم جفن. فلا مجال لتكرار الأخطاء واستسهال الأرواح والحريات، فأطلقوا سراحهم اليوم قبل الغد، علّها تكون كفّارة لآثام عظام.
وعطفاً على الاتجاه الأخير لحكومة بورتسودان بخصوص تغيير تهمة “التعاون” إلى “التعامل” مع قوات الدعم السريع تحت وطأة ظروف الحرب، فهو اتجاه عقلاني محمود، يجنب الآلاف في سجون الجيش مصيراً محتوماً ينتهي بالقبور أو الاكتئاب، وهي خطوة نحو الاتساق مع مفارقة عودة القُبّة، فإن جرائم القُبّة بالضرورة تساوي أضعاف جرائم المتواجدين في سجون الجيش وربما أكبر.
والواقعة رسالة لمحدودي الفكر، فقيري المنطق، معطّلي الأدمغة، مغسولي الأدمغة والمساقين بخطاب أشبه بالعلف، للكف عن الغباء والببغاوية بترديد الأسطوانة المشروخة على مسامع الناجين من بطش “تهمة التعاون” ومآلاتها، والإقلاع عن ابتزازهم بعبارة “ارجعوا كان تقدروا”، فأبواب الرجعة التي فُتحت للقُبّة يمكن أن يلج منها كل القحاتة والملايين من الموصومين بتهمة التعاون الفضفاضة التي فُصّلت لأغراض تعتبر الآن منتهية الصلاحية.
