بين ميسي ويامال… الكأس للعالم، والحياة للسودانيين

الخرطوم/الغد السوداني – الزين عثمان

على سبورة سوداء، وبطباشير أبيض، يبدأ صاحب أحد أندية المشاهدة في سوق “صابرين” يومه مبكراً. يكتب بخط واضح: “التذكرة خمسة آلاف… نهائي المونديال: الأرجنتين × إسبانيا”. عبارة قصيرة تختزل حكاية مدينة بأكملها، فيما يبدو السوق، باسمه وصفات رواده، عنواناً للصبر السوداني الذي يواصل مقاومة الحياة تحت وطأة الحرب والأزمات.

حول السبورة لا تهدأ الأصوات. جدالات لا تنتهي حول من يستحق المجد: ميسي أم لامين يامال؟ مبابي أم ساكا؟ أرسنال أم غيره؟ وعلى الشاشة نفسها التي ستبث نهائي كأس العالم، يقف جهاز التحكم مؤقتاً عند قناة إخبارية؛ أخبار عن إيران، والحرب، والخليج، وأسعار النفط، وترامب، ومضيق هرمز… مفتوح أم مغلق؟ وبين ضجيج السياسة ورائحة القهوة الممزوجة بالزنجبيل، يمتزج الألم بالأمل في مشهد سوداني خالص.

بعد ساعات، سيحتشد أكثر من ثمانين ألف متفرج في ملعب نيوجيرسي بنيويورك لمتابعة النهائي الكبير. سيتوج اللقب إما للأرجنتين أو لإسبانيا، وسيحتفل العالم باسم ميسي أو لامين يامال. وفي كل الأحوال، سيجد مشجع برشلونة سبباً للفرح؛ فإما أن ينتصر تاريخ النادي مع “البرغوث”، أو يبتسم مستقبله مع موهبته الصاعدة لامين يامال.

غير أن السودانيين يرون المباراة من زاوية أخرى. فالمواجهة بين الماضي والحاضر تستدعي لديهم مقارنة تتجاوز كرة القدم؛ مقارنة بين نهائي “لوسيل” قبل أربع سنوات، وواقع اليوم، بين الخرطوم التي كانت تنعم بشيء من السلام، وخرطوم ما تزال الحرب محفورة في طرقاتها ووجوه سكانها وقلوبهم.

يقول أحد المشجعين، وقد عاد لتوه من رحلة لجوء ثقيلة بالألم، لكنه لا يزال متمسكاً بالأمل: “أنا واثق أنني سأستمتع بالنهائي اليوم مثل كثيرين. نحن شعب يفرحه القليل ولا يطلب المستحيل. يكفيني من كأس العالم أن أحضر النهائي وسط هؤلاء الغبش في نادي المشاهدة.”

وتحولت أندية المشاهدة في السودان إلى أكثر من مجرد أماكن لمتابعة المباريات؛ فهي فضاءات اجتماعية تنتشر في الأحياء والمدن، تستقبل مئات الشباب أمام شاشات عملاقة لمتابعة الدوريات الأوروبية والبطولات العالمية. هناك، يبلغ الشغف ذروته، وتستعيد كرة القدم معناها الأول باعتبارها “متعة الفقراء”، كما يصفها أحد رواد النادي.

وفي ليلة النهائي، يبدو أن البطولة الحقيقية ليست فقط في الملعب البعيد، وإنما هنا أيضاً، حيث ينتزع السودانيون لحظة فرح من بين أنياب الوجع. أبطال على طريقتهم الخاصة، يخوضون مباراة يومية مع انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وضيق المعيشة، ويقتطعون من كل ذلك تسعين دقيقة، وربما أكثر، ليعيشوا عالماً آخر.

في تلك الدقائق، تتراجع خطوط الانقسام التي صنعتها الحرب. لا مكان لثنائية بورتسودان ونيالا، ولا لمفردات الصراع اليومي. ينقسم الناس فقط بين الأرجنتين وإسبانيا، ثم يعودون بعد صافرة النهاية إلى الطريق نفسه، متجاورين، من دون خصومة أو ضغائن.

ورغم الانتقادات التي طالت رفع سعر التذكرة إلى خمسة آلاف جنيه، ينفي صاحب نادي المشاهدة أن يكون هدفه الاستغلال. ويقول إن النهائي هو “يوم الحصاد”، وإن زيادة السعر جاءت لتوفير أجواء أفضل وتقليل أعداد الحضور، قبل أن يضيف مبتسماً: “يا أخ هرمنا في انتظار هذه اللحظة.” ويؤكد أن الإقبال لم يتراجع رغم ارتفاع قيمة التذكرة.

أما طارق، أحد المشجعين، فيرى الأمر من زاوية مختلفة، قائلاً: “سنملأ أندية المشاهدة وسنوفر قيمة التذكرة، ولن نشعر بأنه استغلال. ما ندفعه هنا هو ثمن محاولة للهروب من واقعنا. الاستغلال الحقيقي نواجهه كل يوم في الخدمات والمعيشة، أما كرة القدم فهي خطتنا المؤقتة للنجاة.”

ومع حلول التاسعة مساءً بتوقيت السودان، ستتجه الأنظار كلها إلى الشاشة. ستشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليقات الساخرة، وستعود العبارات المعتادة: “أضربي ليهو هسة… لو رد ليك أوعدك حيتزوجك.” وسيتحول ميسي ولامين يامال إلى طرفي معركة افتراضية، قبل أن يرفع أحدهما كأس العالم، وتنتهي الحكاية.

لكن البطولة التي ستبقى في ذاكرة السودانيين ليست تلك التي سيحسمها المستطيل الأخضر. بطولتهم الحقيقية هي قدرتهم على انتزاع الحياة من قلب الموت، والفرح من بين ركام الأحزان، والإصرار على الاحتفال رغم كل شيء.

وحين يحين موعد كأس العالم المقبل في المغرب وإسبانيا والبرتغال، قد يحلم السودانيون بأن يحلق “صقور الجديان” في سماء البطولة. وإن تعذر ذلك، فسيكفيهم حلم أكثر بساطة وأكثر إلحاحاً: أن تكون مدنهم قد استعادت سلامها، وألا تسبق طائرات الموت طائرات المشجعين إلى سمائهم