إنهيار سعر صرف جنيه السودان فى زمن الحروب والعدوان (2 _ 2)
المقدمة
في الجزء الأول، بيّن المقال أن انهيار الجنيه السوداني لم يكن نتاج الحرب وحدها، بل نتيجة تراكم اختلالات هيكلية، وتعثر الإصلاحات بعد انقلاب 2021، ثم الانهيار الشامل الذي أحدثته الحرب. ويتناول هذا الجزء كيف قادت أزمة الثقة والدولرة واختلال السياسات إلى تعميق أزمة سعر الصرف، وما السبل الواقعية لاستعادة الاستقرار النقدي.
حساب المحافظ الاستثمارية: المحرك الذي يستعصى على الفهم وكثيراً ما يتم تجاهله
على الرغم من أهمية العجز التجاري، فإنه لا يمثل سوى جزء من إشكالية سياسات سعر الصرف. فالنظرية الحديثة لسعر الصرف تؤكد أن أسعار الصرف لا تتحدد فقط في أسواق السلع والتجارة الخارجية، وإنما تتحدد أيضاً في أسواق الأصول المالية. فالأسر والشركات تتخذ باستمرار قرارات بشأن كيفية توزيع ثرواتها بين الأصول المقومة بالعملة المحلية والأصول الأجنبية. وعندما تكون الثقة في المؤسسات الوطنية مرتفعة، يحتفظ المواطنون طواعية بالنقد المحلي، والسندات الحكومية، والودائع المصرفية. أما عندما تنهار الثقة، فإن تفضيلات المحافظ الاستثمارية تتحول نحو الأصول الأجنبية.
وفي الحالة السودانية، دفعت معظم المتغيرات الاقتصادية والسياسية في هذا الاتجاه، ومن أبرزها:
استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة للغاية؛
تصاعد حالة عدم اليقين السياسي إلى مستويات غير مسبوقة؛
تعرض الجهاز المصرفي لاضطرابات واختلالات حادة؛
استمرار الضغوط الشديدة على المالية العامة للدولة؛
الغموض الكبير الذي يكتنف آفاق الاستقرار النقدي في المستقبل.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح الاحتفاظ بالجنيه السوداني أقل جاذبية بصورة متزايدة. وقد أدى هذا التحول في تفضيلات المحافظ الاستثمارية إلى انتشار واسع لظاهرة الدولرة وتراكم الأصول الأجنبية. فأصبحت الأسر والتجار والشركات يسعون بصورة متزايدة إلى حماية مدخراتهم وثرواتهم من خلال الاحتفاظ بالدولار الأمريكي أو الريال السعودي أو الدرهم الإماراتي أو الذهب أو الأراضي والعقارات.
وعليه، فإن أزمة سعر الصرف لا تعكس فقط نقصاً في عرض النقد الأجنبي، وإنما تعكس أيضاً انهياراً في الطلب على الجنيه السوداني نفسه. وبعبارة أخرى، فإن جانباً مهماً من أزمة سعر الصرف الراهنة لا يرتبط فقط بعجز البلاد عن كسب ما يكفي من العملات الأجنبية، بل أيضاً بفقدان الثقة في العملة الوطنية بوصفها مخزناً للقيمة وأداةً موثوقةً للاحتفاظ بالثروة.
ما وراء العجز التجاري وهروب رؤوس الأموال: علاوة السوق الموازية كمؤشر للاختلال الاقتصادي الكلي. غير أن الفصل بين حساب التجارة الخارجية وحساب المحافظ الاستثمارية يظل، في نهاية المطاف، تحليلاً تجريدياً. ففي الواقع العملي تتفاعل جميع هذه العوامل في آنٍ واحد، وغالباً ما تنعكس آثارها في مؤشر واحد بالغ الأهمية هو الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق الموازية، أو ما يعرف بعلاوة السوق الموازية. وقد جادلنا في أعمال سابقة حول الاقتصاد السوداني بأن هذه العلاوة لا تمثل مجرد ظاهرة نقدية أو فرقاً بين سعرين، بل تشكل مؤشراً مركباً لمدى الاتساق بين السياسات الاقتصادية الكلية ونظام سعر الصرف. فعندما تكون السياسات المالية والنقدية والتجارية وسياسات سعر الصرف منسجمة مع الأساسيات الاقتصادية، تميل هذه العلاوة إلى الانكماش. أما عندما تتفاقم الاختلالات الاقتصادية الكلية، فإنها تتسع بصورة تعكس تراجع الثقة في استدامة السياسات القائمة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في الحالة السودانية، حيث لم تكن السوق الموازية مجرد سوق هامشية للمضاربة، بل أصبحت في كثير من الفترات المصدر الرئيسي لتحديد السعر الحدي للنقد الأجنبي. ففي ظل شح العملات الأجنبية والقيود المفروضة على الحصول عليها عبر القنوات الرسمية، أصبحت قرارات الاستيراد والتسعير والاستثمار تعتمد بصورة متزايدة على سعر السوق الموازية أكثر من اعتمادها على السعر الرسمي. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى علاوة السوق الموازية باعتبارها مقياساً لثقة المتعاملين في الاقتصاد والسياسات العامة. فكلما اتسعت هذه العلاوة، دل ذلك على تنامي التوقعات بانخفاض قيمة العملة مستقبلاً، أو بارتفاع التضخم، أو بتراجع مصداقية السياسات الاقتصادية. كما تعكس اعتقاد المتعاملين بأن السعر الرسمي لم يعد قابلاً للاستمرار.
وتفسر هذه الرؤية أيضاً محدودية فعالية التدخلات الإدارية التقليدية، مثل حظر بعض الواردات أو فرض قيود على النقد الأجنبي أو تشديد إجراءات الترخيص. فمثل هذه الإجراءات قد تقلص حجم التعاملات الرسمية مؤقتاً، لكنها لا تعالج جذور الاختلال الاقتصادي، بل تدفع عملية التكيف إلى السوق الموازية حيث تظهر الاختلالات في صورة اتساع أكبر للعلاوة. وتؤكد الخبرة الدولية هذه النتيجة. ففي العديد من البلدان التي واجهت أزمات حادة في النقد الأجنبي، مثل غانا في أواخر السبعينيات ونيجيريا خلال فترات مختلفة من الرقابة المشددة على الصرف الأجنبي، لم تؤدِّ قيود الاستيراد والضوابط الإدارية إلى استقرار مستدام لسعر الصرف، بل أسهمت في اتساع الأسواق الموازية، وارتفاع معدلات التهريب، وتنامي فرص الفساد والريع الاقتصادي. ويعود ذلك إلى أن هذه السياسات تستهدف مظاهر الأزمة أكثر مما تستهدف أسبابها الأساسية. فالطلب على العملات الأجنبية لا ينشأ فقط من الواردات الكمالية أو غير الضرورية، بل يرتبط أيضاً باستيراد السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج التي يعتمد عليها النشاط الاقتصادي.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في الحالة السودانية. فقد أشارت تقديرات القطاع الخاص إلى أن السلع التي شملتها قرارات الحظر الأخيرة لم تكن تمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي الواردات، لكنها كانت تساهم بنصيب معتبر من الإيرادات الجمركية والضريبية. وحتى قبل الحرب، فإن تخفيضاً ذو معنى للواردات، غير ممكن، فبحسب بيانات التجارة الخارجية الواردة في إصدارات بنك السودان المركزى للعام 2019 فإن أقصى ما يمكن تحقيقه في هذا المجال هو تخفيض الواردات بحوالي 13.3%، أي ما يعادل 1.3 مليار دولاراً من أصل إجمالى فاتورة الواردات البالغة 9 مليار دولاراً في ذلك العام. لذلك فإن تقليص هذه الواردات قد يؤدي إلى إضعاف الإيرادات العامة في وقت تعاني فيه المالية العامة أصلاً من ضغوط شديدة، الأمر الذي قد يفاقم العجز المالي ويزيد الاعتماد على التمويل التضخمي. كما أن نقص السلع الناتج عن القيود الإدارية قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار المحلية، ومن ثم تعزيز الطلب على العملات الأجنبية والذهب والعقارات بوصفها مخازن بديلة للقيمة. ومن ثم، فإن معالجة أزمة سعر الصرف تقتضي التركيز على محدداتها الأساسية المتمثلة في القدرة التصديرية للاقتصاد، وتدفقات رؤوس الأموال، ومستوى الاحتياطيات الدولية، والانضباط المالي والنقدي، واستعادة الثقة في السياسات الاقتصادية، بدلاً من الاعتماد على إجراءات إدارية مؤقتة كثيراً ما تنتهي إلى توسيع الفجوة بين السوق الرسمية والسوق الموازية.
وعليه، فإن علاوة السوق الموازية لا تعكس الأزمة فحسب، بل تساهم أيضاً في تعميقها. فكلما اتسعت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي ازدادت الحوافز للتهريب، وتراجعت الصادرات الرسمية، وتحولت التحويلات إلى القنوات غير الرسمية، وتسارعت وتيرة هروب رؤوس الأموال. وهكذا تتحول العلاوة من مجرد عرض للاختلالات الاقتصادية إلى إحدى الآليات التي تنقل هذه الاختلالات إلى بقية الاقتصاد وتفاقم آثارها.
“ليس بعد الحرب ذنب”: ماذ حدث لمحددات سعر الصرف جراء الحرب
قبل الانقلاب، مثّل توحيد سعر الصرف في فبراير 2021 أهم محطة للاستقرار الاقتصادي الكلي في التاريخ السوداني الحديث. فقد نجحت السلطات في توحيد معظم أسعار الصرف عند مستوى يقارب 375 جنيهاً سودانياً للدولار الأمريكي، حيث أن معظم المعاملات كانت تتم داخل نطاق ضيق حول السعر الاسترشادي الذي حدده البنك المركزي. كما انعكست الإصلاحات بصورة إيجابية على أداء القطاع الخارجي؛ إذ ارتفعت الصادرات بنسبة 54% على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2021، وانخفضت الواردات بنسبة 17%، وارتفعت التحويلات الرسمية للمغتربين بنحو خمسة أضعاف، كما انتقل الحساب الجاري من عجز كبير في عام 2020 إلى وضع قريب من التوازن أو الفائض في مطلع عام 2021. وتوضح هذه التطورات أن تحسن سعر الصرف قد كان مواكباً لتحسن المصداقية الاقتصادية، وعودة التعاملات إلى القنوات الرسمية، وتوقعات استمرار برنامج الإصلاح.
ومع ذلك، ظلت هذه الإصلاحات هشة بسبب ضعف الاحتياطيات الأجنبية واستمرار الضغوط التضخمية القوية. فقد بلغت الاحتياطيات القابلة للاستخدام نحو 327 مليون دولار فقط بنهاية مارس 2021، وهو ما يعادل 0.4 شهر فقط من الواردات. كما ظل معدل التضخم يتجاوز 300% في مطلع عام 2021. كذلك فإن إستدامة الاستقرار تتطلب تعزيز الإيرادات المحلية، والحد من التمويل بالعجز عبر الإصدار النقدي، إضافة إلى توفير التمويل الخارجي. وبعبارة أخرى، فإن توحيد سعر الصرف نجح في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، لكنه لم ينجح في استكمال الأسس الهيكلية اللازمة لاستدامة الاستقرار.
وقد أدى انقلاب أكتوبر 2021 إلى تغيير محددات سعر الصرف المرتبطة بحساب المحافظ الاستثمارية. فقد عطل برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي، وأوقف التقدم في مسار مبادرة إعفاء ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، وأدى إلى تعليق التمويل الخارجي، كما أضعف التوقعات المتعلقة بمصداقية السياسات الاقتصادية مستقبلاً. وعليه، تعرض السودان مرة أخرى بعد إنفصال الجنوب إلى ظاهرة “التوقف المفاجئ” لتدفقات رأس المال. ورغم أن سعر الصرف لم ينهر مباشرة بالحجم الذي شهده لاحقاً أثناء الحرب، فإن توازن المحافظ الاستثمارية تحول بصورة حاسمة ضد الجنيه السوداني، حيث بدأت الأسر والشركات والمستثمرون يفضلون الاحتفاظ بالأصول الأجنبية، بينما تراجعت التحويلات الرسمية والاستثمارات الوافدة.
ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتحول أزمة المصداقية إلى أزمة شاملة في ميزان المدفوعات والنظام النقدي. فعلى صعيد التجارة الخارجية، ألحقت الحرب أضراراً جسيمة بالقطاع الزراعي، وأوقفت جزءاً كبيراً من النشاط الصناعي، وعطلت ممرات النقل، وأدت إلى زيادة تهريب الذهب وإضعاف الصادرات الرسمية. أما الصدمة المرتبطة بحساب المحافظ الاستثمارية فقد كانت بالقدر نفسه من الحدة. فقد أدى تدمير أجزاء واسعة من الجهاز المصرفي وتفككه إلى تشجيع الأسر والشركات على الاحتفاظ بثرواتها بالدولار الأمريكي أو الذهب أو العقارات أو الأصول الموجودة خارج البلاد. وأصبحت الفجوة المتزايدة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية تعكس ليس فقط شح النقد الأجنبي، وإنما أيضاً الانهيار المتواصل في الطلب على الجنيه السوداني.
وتعزز المؤشرات المالية والنقدية هذا التفسير. فقبل إصلاحات عام 2021، كان التمويل بالعجز عبر الإصدار النقدي أحد أهم أسباب التضخم وتدهور سعر الصرف. فقد بلغ العجز المالي 10.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، وتم تمويل جانب كبير منه عن طريق التوسع النقدي، الأمر الذي أسهم في ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية من 27 جنيهاً في نهاية عام 2017 إلى 85 جنيهاً بحلول ديسمبر 2019. وكان الهدف الرئيسي للإصلاحات الاقتصادية خلال الفترة الانتقالية هو كسر هذه الحلقة المفرغة. غير أن الحرب أعادت إنتاج الظروف نفسها، حيث أدى انهيار الإيرادات العامة وارتفاع الإنفاق العسكري وتزايد الاحتياجات الطارئة إلى تجدد الاعتماد على التمويل النقدي للعجز. كما أشار البنك الإفريقي للتنمية إلى اتساع العجز المالي مرة أخرى خلال عام 2025 نتيجة ضعف الإيرادات وارتفاع الإنفاق، وما صاحبه من استمرار الضغوط النقدية.
وتكشف هذه الأدلة التجريبية نمطاً واضحاً. فقبل الانقلاب، كان استقرار سعر الصرف ممكناً بفضل تحسن مصداقية السياسات الاقتصادية، وتقلص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وعودة التجارة والتحويلات إلى القنوات الرسمية. وبعد الانقلاب، تراجعت المصداقية وتحول توازن المحافظ الاستثمارية ضد الأصول المحلية. أما بعد الحرب، فقد انهارت الركيزتان معاً: انكمش عرض النقد الأجنبي نتيجة تراجع الصادرات وتعطل التحويلات، بينما ارتفع الطلب على العملات الأجنبية بسبب هروب رؤوس الأموال، وانتشار الدولرة، وتمويل الحرب، واللجوء إلى الأصول الأجنبية كملاذ وقائي.
لذلك، لم ينهر الجنيه السوداني لمجرد ارتفاع الواردات. بل انهار لأن الاقتصاد فقد في الوقت نفسه الصادرات والاحتياطيات والتمويل الخارجي والثقة في الجهاز المصرفي والانضباط المالي والمصداقية النقدية. ولهذا السبب، فمن غير المرجح أن تنجح القيود الإدارية على الواردات في تحقيق استقرار مستدام للعملة، لأنها تتعامل مع جانب واحد فقط من الطلب على النقد الأجنبي، بينما تكمن جذور الأزمة في الانهيار المتزامن لحساب التجارة الخارجية، وحساب المحافظ الاستثمارية، والمرتكز المالي-النقدي للاقتصاد.
الخاتمة والتوصيات السياساتية
لعل أهم درس يستخلص من التجربة السودانية خلال السنوات الأخيرة هو أن استقرار سعر الصرف لا يمكن فصله عن استقرار الدولة نفسها. فالتحليل السابق يبين أن الانهيار الحالي للجنيه السوداني لم يكن مجرد نتيجة لارتفاع الواردات أو تراجع الصادرات، بل جاء نتيجة انهيار متزامن في ركائز الاقتصاد الكلي الثلاث: القطاع الخارجي، وحساب المحافظ الاستثمارية، والمرتكز المالي-النقدي. وقد أدى انقلاب أكتوبر 2021 إلى إضعاف مصداقية السياسات الاقتصادية ووقف تدفقات التمويل الخارجي، ثم جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى من مقومات الاستقرار عبر تدمير الإنتاج، وتعطيل التجارة والصادرات، وإضعاف الجهاز المصرفي، وتفاقم العجز المالي، وتسريع وتيرة الدولرة وهروب رؤوس الأموال.
ومن ثم، فإن الاستنتاج المركزي للمقال يتمثل في أن إنهاء الحرب ليس مجرد أحد شروط الإصلاح الاقتصادي، بل هو الشرط التأسيسي الذي تتوقف عليه إمكانية أي إصلاح اقتصادي ذي معنى. فطالما استمرت الحرب، ستظل الصادرات مقيدة، والاستثمارات غائبة، والاحتياطيات الأجنبية مستنزفة، والثقة في العملة الوطنية ضعيفة، وسيظل التضخم وسعر الصرف عرضة لضغوط مستمرة. ولذلك فإن الرهان على تحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف، أو كبح جماح التضخم، أو استعادة القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني في ظل استمرار الحرب، يظل رهاناً محدود الواقعية الاقتصادية. بل إن الترويج لإمكانية تحقيق هذه الأهداف دون معالجة السبب الجوهري للأزمة، والمتمثل في استمرار الحرب، ينطوي على قدر كبير من التهافت التحليلي، وقد يسهم في إطالة أمد أوهامٍ سياساتية تصرف الانتباه عن الأولوية الوطنية القصوى المتمثلة في وقف الحرب واستعادة السلام.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن تحقيق سعر صرف حقيقي تنافسي ومستدام لا يعتمد فقط على تخفيض قيمة العملة الاسمية، بل يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة تسمح بزيادة الإنتاجية وتوسيع الصادرات وجذب الاستثمارات. فالحروب لا تؤدي فقط إلى انخفاض قيمة العملة، بل تقوض أيضاً قدرة الاقتصاد على الاستفادة من أي انخفاض في سعر الصرف من خلال تعطيل الإنتاج والتجارة والاستثمار. ولذلك فإن إنهاء الحرب يمثل شرطاً أساسياً ليس فقط لتحقيق الاستقرار النقدي، وإنما أيضاً لاستعادة القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني وتنويع صادراته على المدى الطويل.
وعليه، فإن استعادة الاستقرار النقدي وسعر الصرف تتطلب حزمة متكاملة من السياسات والإصلاحات يمكن تلخيصها فى التوصيات التالية:
أولاً، إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة، باعتبار أن السلام يمثل الشرط الضروري لأي تعافٍ اقتصادي أو نقدي. فبدون استعادة الأمن والاستقرار لن يكون بالإمكان إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية أو جذب الاستثمارات أو استعادة الثقة في النظام المالي.
ثانياً، إعادة بناء مؤسسات الدولة الاقتصادية والنقدية، بما في ذلك استعادة استقلالية البنك المركزي وتعزيز قدراته الفنية والتنظيمية، وإعادة بناء الجهاز المصرفي وتوحيد أنظمته بعد ما تعرض له من تفكك واضطراب خلال الحرب.
ثالثاًًً، استعادة الانضباط المالي من خلال توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، والحد من الاعتماد على التمويل بالعجز عبر الإصدار النقدي، باعتبار أن التوسع النقدي غير المغطى كان أحد أهم أسباب التضخم وتدهور سعر الصرف في السودان عبر العقود.
رابعاً، استعادة علاقة البلاد مع المؤسسات المالية والتنموية الدولية، بما في ذلك استئناف مسار إعفاء الديون الخارجية، واستقطاب التمويل الميسر لإعادة الإعمار، واستعادة ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.
خامساً، الانتقال تدريجياً نحو نظام سعر صرف أكثر مرونة وشفافية، مع تجنب العودة إلى نظم أسعار الصرف المتعددة أو تثبيت سعر الصرف عند مستويات لا تعكس الأساسيات الاقتصادية، وهي السياسات التي أثبتت التجربة السودانية فشلها المتكرر:
اعتماد نظام سعر صرف مُدار بمرونة محسوبة خلال المرحلة الانتقالية لما بعد الحرب، بحيث يسمح بتكيّف سعر الصرف مع المتغيرات الاقتصادية الأساسية مع الحد من التقلبات المفرطة. فالتجربة السودانية تشير إلى صعوبة الدفاع عن نظم الربط الثابت في ظل ضعف الاحتياطيات وتعرض الاقتصاد لصدمات متكررة، كما أن الانتقال المباشر إلى التعويم الحر الكامل قد يكون سابقاً لأوانه في ظل هشاشة المؤسسات النقدية والمالية. ولذلك فإن الخيار الأكثر ملاءمة يتمثل في نظام سعر صرف مُدار يستند إلى قواعد واضحة وشفافة، ويُدعم بسياسات مالية ونقدية منضبطة.
على المدى المتوسط، ومع استعادة الاستقرار السياسي وتعزيز استقلالية البنك المركزي وتطوير الأسواق المالية، يمكن أن يمهد هذا النهج الطريق نحو تبني إطار حديث للسياسة النقدية قائم على استهداف التضخم مباشرة، على غرار التجارب الناجحة لبعض الاقتصادات الناشئة ذات المؤسسات القوية مثل دولة التشيلي، حيث أصبحت المحافظة على استقرار الأسعار هي المرساة الرئيسية للسياسة النقدية بدلاً من استهداف مستوى معين لسعر الصرف.
سادساً، تبني استراتيجية قومية لزيادة الصادرات وتنويعها، تقوم على إعادة تأهيل القطاع الزراعي والثروة الحيوانية والتعدين، والانتقال من تصدير المواد الخام إلى تشجيع التصنيع الزراعي والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة، بما يسهم في زيادة حصائل النقد الأجنبي بصورة مستدامة.
سابعاً، مأسسة قطاع التعدين وهيكلته فى إطار شركات عامة أو شبه عامة حديثة، مما يمكن معه مكافحة التهريب وتعزيز القنوات الرسمية لتصدير الذهب، الأمر الذى سيعزز الرصيد الرأسمالى من العملات الصعبة.
ثامناً، تعزيز تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، من خلال توفير حوافز سعرية ومؤسسية مناسبة تسمح بعودة التدفقات إلى الجهاز المصرفي الرسمي بدلاً من الأسواق الموازية.
وأخيراً، فإن تظاهر سلطة الأمر الواقع بقدرتها على تحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف أو كبح جماح التضخم أو استعادة القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني في ظل استمرار الحرب يتجاوز عدم الكفاءة العلمية إلى الإستهتار بمصالح الوطن وشعبه المكلوم. إن استقرار سعر الصرف في السودان لن يتحقق من دون إعادة بناء الاقتصاد المنتج والدولة القادرة والمؤسسات الموثوقة. فكما كان انهيار الجنيه انعكاساً لأزمة أعمق في الاقتصاد السياسي السوداني، فإن تعافيه سيكون بدوره مؤشراً على نجاح مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة وتحقيق السلام والتنمية الشاملة في مرحلة ما بعد الحرب.
حواشى – راجع مقالى عن الصدمة المزدوجة بعد إنفصال الجنوب:
الصدمة المزدوجة بعد انفصال الجنوب: تحديات الاقتصاد السوداني وخيارات الإصلاح (8من10)
للمهتمين بأدبيات الاقتصاد الدولي واقتصاديات سعر الصرف، يتضمن الرابط أدناه قائمة لمجموعة من أبحاثي المنشورة التي تتناول السودان والبلدان النامية بصورة عامة:
https://docs.google.com/document/d/1jBsntfdybDiC9OhAK5mJ9jeVffbUcHRZ/edit#heading=h.1vwesxjc7fs7
راجع مقالى عن الإنهيار الاقتصادى وتقديرات فقدان حوالى 50% من الناتج المحلى لعام 2022 بسبب الحرب:
Elbadawi, Ibrahim (2025). “Sudan at the Edge: What Did Go Wrong?”: https://dev-front.org/sudan-at-the-edge-what-went-wrong/
