
“دماء ودموع على الرصيف”.. كتاب سوداني يوثق جحيم حرب الخرطوم من قلب الرصاص والنزوح
المحرر الثقافي/ محمد إسماعيل – في زمن الحروب، تصبح الكتابة أكثر من مجرد فعل ثقافي؛ تتحول إلى وسيلة للبقاء، وإلى محاولة يائسة لإنقاذ الذاكرة من الخراب. هذا ما يبدو واضحاً في كتاب “يوميات حرب الخرطوم.. دماء ودموع على الرصيف” للكاتب والأكاديمي السوداني مجتبى سعيد عرمان، الذي صدر حديثاً في 508 صفحات من القطع الكبير عن دار بدوي للنشر، بينما تولت عندليب للنشر مهمة الإشراف والتوزيع.
الكتاب ليس مجرد سرد شخصي لتجربة فردية عاش أهوال الحرب، بل شهادة مكتوبة من قلب الحدث، تبدأ من أحياء الخرطوم بحري تحت أصوات الرصاص والقذائف الطائشة، وتمتد عبر رحلة النزوح القاسية نحو الجزيرة ثم النيل الأزرق وصولاً إلى بورتسودان.
يوميات شاهد عيان
ينطلق عرمان من موقع الشاهد لا الراوي البعيد. يكتب تفاصيل الحرب كما عاشها، ويعيد بناء المشاهد اليومية التي عاشها مع أسرته وجيرانه ومئات السودانيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة واحدة من أعنف الكوارث التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث.
وتكمن قوة الكتاب في أنه لا يكتفي بتسجيل الوقائع العسكرية أو السياسية، بل يركز على الإنسان العادي الذي وجد نفسه محاصراً بين الرصاص والخوف والجوع والنزوح. هنا تصبح الحكايات الصغيرة هي المدخل لفهم المأساة الكبرى.
الحرب بوصفها فشلاً للدولة
لا يتوقف المؤلف عند حدود التوثيق، بل يحاول قراءة جذور الأزمة السودانية من منظور نقدي. مستفيداً من خلفيته الأكاديمية في اللغة واللسانيات، يقدم تحليلات تتناول البنية الاجتماعية والسياسية التي قادت البلاد إلى هذا الانهيار.
ويطرح الكتاب أسئلة صعبة حول الدولة السودانية بعد الاستقلال، متناولاً اختلالات السلطة واللامساواة التاريخية التي ساهمت، بحسب رؤيته، في إنتاج دورات متكررة من العنف والصراع. ويرى أن مؤسسات الدولة انحرفت عن دورها الأساسي في خدمة المواطنين لتتحول، في كثير من الأحيان، إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة والإقصاء.
ضد النسيان
في مقدمته للكتاب، يرى الأكاديمي السوداني مصطفى الصاوي أن العمل يتجاوز حدود اليوميات التقليدية، إذ يربط بين التجربة الشخصية والتاريخ السوداني المعاصر، ويطرح دعوة صريحة إلى تجاوز خطاب الكراهية والانقسامات التي غذت الصراع.
أما الراحل الباقر العفيف، فيصف فكرة الكتاب بأنها “كمين لطيف للقارئ”، لأن العنوان يوحي بمعنى مباشر قبل أن يكشف عن طبقات أعمق من الدلالات الإنسانية والسياسية، مشبهاً العمل ببعض الكتابات الألمانية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الثانية لتوثيق آثار الدمار النفسي والاجتماعي للحروب.
من فض الاعتصام إلى رحلة النزوح
لا يعزل عرمان الحرب الحالية عن السياق السوداني الأوسع، إذ يربطها بمحطات مفصلية سابقة، بينها أحداث فض اعتصام القيادة العامة، قبل أن ينتقل إلى وصف رحلة النزوح الطويلة التي عاشها مع آلاف السودانيين الباحثين عن الأمان.
ويبرز الإهداء الذي خص به والدته الراحلة بوصفه أحد أكثر الجوانب الإنسانية تأثيراً في النص، حيث تمتزج الذكريات الشخصية بالفقد الجماعي الذي خلفته الحرب.
وثيقة للأجيال القادمة
أهمية “دماء ودموع على الرصيف” لا تكمن فقط في قيمته الأدبية أو التوثيقية، بل في كونه جزءاً من معركة الذاكرة نفسها. فالمؤلف يؤكد أن تدوين تجارب الحرب ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة تاريخية لحفظ ما جرى من التشويه أو النسيان.
في بلد تتسارع فيه الأحداث وتتراكم المآسي، يبدو هذا الكتاب محاولة جادة لالتقاط اللحظة السودانية بكل تناقضاتها وآلامها، وتحويلها إلى وثيقة إنسانية مفتوحة أمام الأجيال القادمة، حتى لا تضيع القصص الفردية وسط ضجيج السياسة وأرقام الضحايا.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الكتاب ضمناً: هل تستطيع الكتابة أن تنتصر على الخراب؟ ربما لا توقف الحروب، لكنها على الأقل تمنعها من قتل الذاكرة أيضاً.
