
من قلب الحرب إلى منصات التتويج العالمية.. 4 صحفيين سودانيين يحصدون جوائز دولية ويهزمون العتمة بالحقيقة
في الوقت الذي يواصل فيه السودان نزيف الحرب للعام الرابع على التوالي، وبين مدن محاصرة وأخرى مدمرة وملايين النازحين الذين فرقتهم المعارك، جاءت أخبار من نوع مختلف تحمل قدراً من الأمل وسط المشهد القاتم. لم تكن هذه المرة عن تقدم عسكري أو مبادرة سياسية، بل عن صحفيات وصحفيين سودانيين تمكنوا من إيصال صوت بلادهم إلى العالم، وانتزعوا اعترافاً دولياً بمهنية نادرة وشجاعة استثنائية.
ففي مشهد وصفته نقابة الصحفيين السودانيين بأنه “حملة مشاعل نور الحقيقة في مواجهة عتمة الظلام”، حصد أربعة صحفيين وصحفيات سودانيين جوائز عالمية وعربية مرموقة خلال عام 2026، في إنجاز اعتبرته النقابة دليلاً على أن الصحافة السودانية ما زالت قادرة على الحياة والإبداع رغم الظروف التي تكاد تعصف بكل شيء.
زينب محمد صالح.. صوت المدنيين الذي وصل إلى العالم
وجاءت أبرز هذه الجوائز من نصيب الصحفية السودانية زينب محمد صالح، التي فازت بجائزة “نايت” الدولية للصحافة لعام 2026، التي يمنحها المركز الدولي للصحفيين. ويُنظر إلى الجائزة باعتبارها من أبرز التكريمات العالمية للصحفيين الذين يعملون في البيئات الخطرة والصراعات المسلحة.
جوائز دولية مرموقة تكرّم زينب محمد صالح ومحمد أمين وهبة عبد العظيم وملاذ حسن البدوي، في شهادة عالمية على قوة الصحافة السودانية رغم الحرب والنزوح وانهيار المؤسسات
وخلال سنوات الحرب، برز اسم زينب محمد صالح في عدد من المؤسسات الإعلامية الدولية عبر تقارير ميدانية وإنسانية وثقت معاناة المدنيين والانتهاكات التي رافقت النزاع، وقدمت روايات من داخل مناطق يصعب الوصول إليها، لتصبح واحدة من أبرز الأصوات الصحفية السودانية على المستوى الدولي.
محمد أمين وتوثيق المقاومة الشعبية في مناطق الخطر
ولم يكن هذا الإنجاز فردياً فحسب، إذ انضم إليه الصحفي محمد أمين الذي توج بجائزة “صحفي العام 2026” من مؤسسة One World Media، تقديراً لتغطيته الاستثنائية لقصص السودانيين ومقاومتهم الشعبية في مناطق النزاع، ونقله لقصص غالباً ما ظلت بعيدة عن عدسات الإعلام العالمي.
ويقول مراقبون إن قيمة هذا النوع من التغطيات لا تكمن فقط في السبق الصحفي، بل في القدرة على الحفاظ على تدفق المعلومات من مناطق معزولة ومحاصرة، في وقت تواجه فيه وسائل الإعلام السودانية تحديات غير مسبوقة بسبب الحرب والانهيار الاقتصادي وضعف البنية التحتية للاتصالات.
صحافة المناخ السودانية تحجز مكانها عربياً
وفي جانب آخر من المشهد، أثبتت الصحفيات السودانيات حضوراً لافتاً في قضايا المناخ والتنمية والكتابة الإبداعية. فقد فازت الصحفية هبة عبد العظيم بجائزة مؤسسة النمر الأخضر ومؤسسة “تاز بانتر” الألمانية عن عملها “السودان الجديد.. حينما يزدهر على ضفاف النيل الأصفر 2050″، وهو عمل استشرافي تناول قضايا البيئة والمناخ والتنمية المستقبلية برؤية مختلفة.
وجاء تتويج هبة بعد منافسة شاركت فيها 25 صحفية من 16 دولة عربية، ما منح الفوز بعداً إقليمياً يعكس تطور الصحافة السودانية في مجالات تتجاوز تغطية الحرب والأزمات اليومية.
كما أحرزت الصحفية ملاذ حسن البدوي المركز الثاني في المسابقة ذاتها عن عملها الصحفي “هل تنقذ النساء السودان”، وهو موضوع تناول دور النساء السودانيات في مواجهة تداعيات الحرب وصناعة فرص السلام والتماسك المجتمعي.
لماذا تكتسب هذه الجوائز أهمية استثنائية في زمن الحرب؟
وترى نقابة الصحفيين السودانيين أن هذه الجوائز تمثل رسالة مهمة في توقيت بالغ الحساسية. ففي وقت تتزايد فيه خطابات الكراهية والاستقطاب والانقسام الاجتماعي داخل السودان، يأتي هذا التقدير الدولي متزامناً مع اليوم العالمي لمحاربة خطاب الكراهية، ليؤكد الدور الحيوي الذي يمكن أن تؤديه الصحافة المهنية في حماية النسيج الاجتماعي ومواجهة التضليل والتحريض.
وقالت النقابة في بيانها إن الصحفيين السودانيين يواصلون أداء رسالتهم في ظروف بالغة الصعوبة، تشمل المخاطر الأمنية وانقطاع الاتصالات وصعوبة التنقل والتهديدات المباشرة التي تواجه العاملين في الحقل الإعلامي، مشيرة إلى أن هذه النجاحات تعكس قدرة الصحافة السودانية على الصمود والاستمرار رغم الحرب.
كيف أصبح الصحفي السوداني سفيراً لقضايا بلاده أمام العالم؟
وبالنسبة لكثير من السودانيين، فإن هذه الجوائز تتجاوز كونها مجرد تكريم مهني. فهي شهادة على أن السودان، رغم صور الدمار التي تتصدر نشرات الأخبار العالمية، ما يزال قادراً على إنتاج قصص نجاح ملهمة، وأن أبناءه وبناته ما زالوا يجدون طريقهم إلى المنصات الدولية عبر المعرفة والموهبة والشجاعة.
وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته وأجبرت آلاف الكفاءات على الهجرة، يبعث فوز زينب محمد صالح ومحمد أمين وهبة عبد العظيم وملاذ حسن البدوي برسالة مختلفة: قد تخفت الأضواء في المدن المنكوبة، لكن شعلة الحقيقة التي يحملها الصحفيون السودانيون لا تزال مضيئة، وتصل إلى العالم بأسره.
إنها قصة صحافة تقاوم الحرب بالكلمة، وتواجه الظلام بالحقيقة، وتثبت مرة أخرى أن المهنة التي ولدت لتكون صوت الناس لا تزال قادرة على صناعة الأمل حتى في أكثر اللحظات قسوة.
