الرياضة في زمن الانهيار : منتخب بلا اعداد و دولة بلا رؤية
مهدي داود الخليفة يكتب:
ما تعرّض له المنتخب السوداني للسيدات في تصفيات أولمبياد لوس أنجلوس فضيحة وطنية مكتملة الأركان والزج بفتيات صغيرات بدون إعداد جريمة حقيقة
ليست الهزيمة في كرة القدم جريمة، فالرياضة بطبيعتها تقوم على الفوز والخسارة. ولم يكن السودان أول دولة تتعرض لهزيمة قاسية في مباراة دولية، ولن يكون الأخيرة. لكن الجريمة الحقيقية هي أن يتم الزج بفتيات سودانيات صغيرات في منافسات قارية وإقليمية وهن يفتقدن أبسط مقومات الإعداد والتأهيل، فقط لإعطاء انطباع زائف بأن الأمور تسير بصورة طبيعية في بلد مزقته الحرب ودمرت مؤسساته.
ما تعرّض له المنتخب السوداني للسيدات في تصفيات أولمبياد لوس أنجلوس 2028 من خسارة أمام جزر القمر بنتيجة 17-0، وما تلاها من هزيمة في بطولة سيكافا للناشئات حين أوقفت المباراة أمام كينيا عند الدقيقة 61 بعد أن خسرها السودان 16-0 بسبب الإصابات والإعياء وغياب البديلات على مقاعد الاحتياط، ليس مجرد إخفاق رياضي عابر، بل فضيحة وطنية مكتملة الأركان..
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف تشارك دولة في بطولات قارية وإقليمية وهي لا تملك في الأساس منافسات نسائية منتظمة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023؟ وكيف يتم اختيار اللاعبات وإعدادهن في ظل غياب الدوري والمسابقات المحلية ومراكز التدريب والبنية التحتية الرياضية؟
إن كرة القدم ليست بيانات صحفية ولا مؤتمرات إعلامية. المنتخبات الوطنية هي نتاج عمل طويل يبدأ من المدارس والأندية والمنافسات المحلية وينتهي بالمنتخب القومي.
وعندما تنهار هذه السلسلة بالكامل بسبب الحرب والنزوح والجوع وانعدام الإمكانات، فإن الإصرار على المشاركة الدولية يصبح نوعاً من العبث المؤسسي الذي يدفع ثمنه اللاعبون واللاعبات وسمعة البلاد.
الأكثر إيلاماً أن السودان ليس دولة هامشية في تاريخ كرة القدم الأفريقية. فالسودان كان من أوائل الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، إلى جانب مصر وإثيوبيا، واحتضنت الخرطوم أول بطولة لكأس الأمم الأفريقية عام 1957. لذلك فإن ما يجري اليوم لا يمثل فقط إساءة للواقع الحالي، بل يمثل أيضاً إهانة لتاريخ رياضي عريق صنعه أجيال من السودانيين.
من يتحمل المسؤولية عن إرسال منتخب غير مؤهل إلى منافسات بهذا المستوى؟ هل قام الاتحاد السوداني لكرة القدم بتقييم حقيقي لقدرات الفريق قبل المشاركة؟ وهل أجرت وزارة الشباب والرياضة مراجعة مهنية لهذا القرار؟ أم أن الهدف كان مجرد تسجيل حضور شكلي في سجلات البطولات بغض النظر عن النتائج والتداعيات النفسية والإنسانية على اللاعبات؟
إن المسؤولين الذين اتخذوا هذه القرارات ربما لم يفكروا في الأثر المدمر لمثل هذه المشاركات على فتيات صغيرات وجدن أنفسهن في مواجهة منافسين أكثر إعداداً وخبرة وإمكانات. الرياضة يفترض أن تبني الثقة بالنفس، لا أن تتحول إلى وسيلة للإذلال الجماعي.
للأسف، يبدو أن ثقافة إدارة الأزمات في السودان أصبحت قائمة على صناعة المظاهر بدلاً من معالجة الجذور. فكما فشلت النخب السياسية والعسكرية في صون الدولة ومنع انهيارها، نجد أن بعض المؤسسات الرياضية تسير في الاتجاه نفسه، حيث يتم تسويق صورة غير حقيقية عن أوضاع لا تمت للواقع بصلة.
إن احترام السودان وتاريخه لا يكون بالمشاركة الشكلية في البطولات، وإنما ببناء قاعدة رياضية حقيقية، وإعادة تشغيل المنافسات المحلية، وتوفير البيئة الآمنة للاعبين واللاعبات، وتأجيل المشاركات التي يعلم الجميع مسبقاً أنها ستنتهي بكوارث رياضية وإنسانية.
لقد خسر المنتخب السوداني للسيدات داخل المستطيل الأخضر، لكن الفضيحة الحقيقية لم تكن في نتيجة المباراة، بل في العقول التي دفعت بهذا المنتخب إلى المنافسة دون إعداد حقيقي أو تخطيط مهني أو أدنى احترام لاسم السودان وتاريخه الرياضي. فاللاعبات لم يخسرن وحدهن، بل تم الزج بهن في مواجهة غير متكافئة ليصبحن ضحايا لسوء الإدارة والاستهتار والقرارات المرتجلة.
إن المسؤولية لا تقع على عاتق اللاعبات اللاتي اجتهدن بما توفر لهن من إمكانيات، وإنما تقع على الذين جلسوا في المكاتب واتخذوا قرار المشاركة وهم يعلمون أن الفريق يفتقر إلى الإعداد والدعم والتجهيز اللازم للمنافسة القارية. هؤلاء هم من يجب أن يُسألوا ويُحاسبوا، لأنهم أساؤوا إلى سمعة السودان وأهدروا كرامة الرياضة السودانية أمام ملايين المشاهدين في أفريقيا.
