سرديات ..

 

لو قمنا من فوقك بتخلينا؟
هكذا تساءلوا بعد ان أسقطوا ضحيتَهم أرضا، وبدأوا يوسعونه ضربا..

ضمن حكاياته عن فتوات أم درمان، قال شوقي بدري-ذات مرة- كان *كبس الجبة* فرتاق الحفلات، أشهر فتوات أم درمان على الإطلاق، وقد بث اسمه، قبل جسمه، الرعبَ في نفوس الناس ردحاً من الزمان… يحكى أن كبس الجبة تحرش ذات مرة بشباب لا يعرفهم ولا يعرفونه، فتغلبوا عليه وأسقطوه أرضاً و بركوا فوق جسده الضخم، واوسعوه ضرباً… وبينما هم على ذلك الحال، مر رجل يعرف *كبس الجبة* فصاح فيه (دا شنو يا كبس؟)… دب الرعب في قلوب الشباب لمجرد سماع الاسم رغم إنهم الغالبون؛ وذلك فقط لمعرفة أن غريمهم ما هو إلا كبس الجبةالذائع الصيت، فقالوا له: لو قمنا من فوقك بتخلينا ؟؟.

وسبب تسميته بكبس الجبة، أن الجيش كان يصرف لمن التحق به، جبة، ويطلب من المستجد ان يذهب لترزي لتضييقه وتقصيره..

التحق كبس الجبة واصحايه بالجيش، فطُلب منهم ان يأخذوا الجبة التي صرفت لكل واحد منهم للترزي، لتعديلها حسب حجمه..بالنسبة لكبس الجبة الامر كان مختلفا..الترزي واصحاب كبس الجبة من المستجدين كل واحد منهم تعلق في جانب من الجبة عشان تنزل في جسم صاحبنا..ومن ذلك اليوم عرف ب كبس الجبة*..هكذا قال شوقي بدري في حكايته عن فتوات ام درمان..

Aptronym
هذه الكلمة لم تكن موجودة في قاموس اللغة الانجليزية إلى أن جاء صحافي أمريكي اسمه *فرانكلين بيرس ادامز* في القرن التاسع عشر فصاغها من وحي خياله، لتعني في العربية عبارة:
اسم على مسمى..

A name that’s perfectly suited to the bearer*

ذات مساء احتد النقاش بين هذا الصحافي ومصمم الصحيفة، بسبب الخانة التي يجب أن يشغلَها العمود الراتب، الذي ظل فرانكلين يكتبه في الصحيفة منذ فترة طويلة، تحت عنوان The Conning Tower أي؛ برج المراقبة* وهي من اشتقاقات مصطلحات السفن الحربية..يبدو ان فرانكلين أثناء نقاشه مع المصمم، اكتشف ان الرجل ليس له من اسمه نصيب في دلالاته، فجاء بكلمة inaptronym لتعني *الاسم الذي لا يناسب صاحبَه*..

ومنذ ذلك الحين (في القرن التاسع عشر) دخلت كلمتا aptronym و inaptronym معاجم اللغة الانجليزية بفضل ذلك الصحافي، الذي كان يأتي كل يوم بالجديد، في عموده الراتب؛ والذي كان قراؤه الكثر؛ ينتظرونه بوَلَه..

*وا صباحاه!*

صعد نبيُّنا الكريم، عليه الصلاة والسلام، *جبل الصفا* ونادى قومَه بهذه العبارة..

وحين اجتمعت قريش تلبية للنداء النبوي، حذرهم سيدُ الخلق من خطر قادم..

لم يرق الكلامُ لأبي لهب فقال:
لهذا جمعتنا تبت يداك..

فكانت المسد؛ السورة التي خاطبت أبا لهب باسمه:
*تبت يدا أبي لهب وتب*..

أبو لهب والفرعون لقبان ذكرهما القرآن لدلالاتهما السالبة..الأول لفجوره في الخصام مع نبينا الكريم والثاني لطغيانه حين قال أنا ربكم الأعلى !فأصبح اللقبان من الالقاب التي تستهجنها العرب ولا تقربهما..

قرأت ذات مرة مقالا في صحيفة سودانية خاطب فيه كاتبُه مطرب السودان الأكبر وردي ب الفرعون..
عيب كبير!

الأسماء ودلالاتُها كانت مبتدأ الحديث مع بعض الصحاب؛ وخبرُه ذا شجونٍ، كان!

*The Name Says It All..*

الإسمٌ يشرح لك كلَّ ما تريد معرفتَه عن صاحبه..

هكذا قال وهو يحدثني عن فتاة تعلق بها في صباه؛ ولكنه لم يكمل معها علاقته العاطفية بسبب اسمها!

رحلتُنا إلى الوجهة التي نقصدها، تستغرق نحو أربع ساعات في طريق ترابي شديد الوعورة..

وجهتُنا هي زيارة أول بئر نفط تحفر في عمان؛ اسمها فهود-١ عام ١٩٥٤؛ وهي تقع في صحراء ولاية عبري في محافظة الوسطى العمانية..

قال مرافقي- وهو صحافي هولندي اسمه Sherpenzeel Eric van- إنها سميت بفهود لأن المنطقة كانت موئلا للحيوانات الصحراوية المفترسة آنذاك؛ ومنها الفهود والنمور..استغربت لقوله..غير أني شاهدت ذات مرة، أثناء تنقلي بين حقول النفط، في منطقة صحراوية قاحلة تتخللها تلال وصخور؛ ما ظننته نمرا فأسرعت لالتقاط صورة له…فقالوا لي-على رسلك- هذا ليس نمرا بل هو ما يعرف بالوشق الصحراوي Desert lynx..اختفى الوشق وعادت الكميرا إلى حيث كانت خائبة!

أمامنا بدأت سحابة من الغبار تتكاثف..ثم لحظات وداهمتنا عاصفة ترابية خانقة..توقفنا على جانب الطريق الترابي الوعر حتى تتضح الرؤية التي تعذرت بسبب العاصفة..فكان الحديث ذو الشجون!

صاحبي الصحافي الهولندي، عمل في ستينيات القرن الماضي في شركة شل، التي أوفدته الى عمان، مع مهندسي نفط آخرين من جنسيات مختلفة، للبدء في عمليات تنقيب واسعة، بعد ان تاكدت الشركة، من وجود النفط بكميات تجارية، في التراكيب الجيولوجية التي حفرت فيها بئر فهود -١..

كان يعرف عن ماضي عمان الكثير، ولديه صور فتوغرافية نادرة توثق مراحل النهضة التي شهدتها السلطنة، بعد مجيء السلطان قابوس للحكم في مطلع سبعينيات القرن الماضي..صاحبي الهولندي يعمل على تأليف كتاب عن تلك الفترة من تاريخ عمان..

ظهر الكتاب لاحقا بعنوان عمان الماضي والحاضر- موجود في الشبكة العنكبوتية لمن رغب..

قال لي إنه قبل ان يلتحق بجامعة دلفت الهولندية-تحت اصرار والده- لدراسة هندسة النفط؛ التحق بجامعة تالين في استونيا-لدراسة الأدب الانجليزي..تعلق هناك بفتاة استونية اسمها انتيغون..

ومضى يقول: أنا أتحدر من سلالة الفايكينج واسم انتيغون في موروثنا الشعبي له دلالات سالبة..هكذا قال!

-هل تؤمن بالخرافات؟ سألته
فقال: نعم ولكن في نطاق ضيق..

ضحكت..

ثم سألني بنبرة لا تخلو من تباهٍ مستتر:
-هل سمعت عن الفايكينج؟

تعمدت أن أقول له إنهم كانوا قراصنة يجوبون البحار، لنهب السفن وسلب قطبانها! يبدو ان ردي لم يعجبه؛ فامتعض للحظات قبل ان يواصل حديثه معي:
هذا الجانب المظلم من تاريخهم؛ كما اراده لنا غيرُنا، اما الفايكينج ففي تاريخهم غير الذي سمعتم به…

قال لي أثناء هذه الرحلة الشاقة إنه كان يرغب في دراسة الأدب الانجليزي في اكسفورد خلافا لما اراده له أبواه…فرح الاب حين رفضت اوكسفورد قبول الابن لدراسة الأدب الانجليزي..ولكن ذلك لم تكن نهاية القصة؛ إذ اعلن الشاب تمردَه على اهله وسافر الى استونيا، والتحق بتوصية من بعض اصدقائه هناك، بجامعة تالين..جامعة عريقة وتعد الافضل في دول البلطيق الثلاث في الادب الانجليزي..قضى، كما قال لي، نحو عشرين شهرا في جامعة تالين؛ وأقام خلالها علاقة عاطفية مع حسناء استونية..

ولكن لم يكتب للعلاقة النجاحُ، فافترقا، ليعودَ صاحبي الى اهله، ويلتحق بجامعة دلفت..درس هندسة النفط واستوعبته شل عقب تخرجه وبعد ان بلغ سن التقاعد تخصص في صحافة صناعة النفط والغاز..وجاء لعمان الآن ليؤلف كتابا عن عمان كما رآها خلال سنوات عمله فيها..

-في تراثنا اسم أنتيغون للنساء يجلب اللعنة لمن سميت به..لعنة تظل تلاحق الأجيال!

-ألهذا السبب هجرت صديقتك؟ سألته..

-أصدقك القول كان ذلك سببا؛ رغم ان المنطق لا يقبل هذه الفذلكة العرجاء..

سألت نفسي إن كان هذا الاعتقاد الأعرج، الذي لازم فتاةَ صاحبنا الهولندي، مستمداً من *مسرحية انتيغون* التي ألفها المسرحي الاغريقي المشهور سفوكليس؛ وضمنها تفاصيل اللعنة التي لازمت أنتيغون..انتيغون في المسرحية الاغريقية هي ابنة الملك أوديب ..واللعنة التي اصابت أوديب وأهله معروفة..

ثم كانت غادِر…

اسم “غادر” اسم نسوي عرفته العرب من قديم الزمان..

طرح هذا الاسم كمقترح، لاسم نسوي في مناسبة كنت من بين حضورها..

استوقفني الاسم..

غير أني لم اعلق لاعتقادي ان الاسم ربما كان شائعا في المجتمع الخليجي؛ زد على ذلك أنه ليس ثمة ما يؤكد-في ظني- وجود علاقة بين الشخص واسمه.. فكم من رجل يسمى صالحا لا يحمل من مدلولات اسمه شيئا..ودونكم الشاعر الأموي الأشهر *الفرزدق* فلقبه يعني الرغيف الجاف قبل ان يفتّ ويخلط بالماء (الموص يعني !). وجرير هو الآخر يعني الحبل الأسود والاخطل هو الرجل ذو الأذنين الطويلتين ومسترخيهما..!

ثم جاء شاعر انجلترا الأشهر ليؤكد ذلك في مسرحية روميو وجولييت..ففي هذه المسرحية يقلل شكسبير من أهمية الأسماء بوجه عام؛ حين يقول:

*That which we call*
*A rose,*
*By any other name*
*Would smell as sweet!*

*تلك النبتة التي نسميها وردة سيبقى عطرُها كما هو فوّاحاً؛ حتى إن تغير اسمُها!*

وهكذا لعبت المقادير ب “غادر” كما جاءتنا بذكرها الكتب..

“غادر”  جارية جعلت امير المؤمنين *هارون الرشيد* يحج مشيا قاطعا الفيافي والمفاوز!

وسبب ذلك أن أخاه” الهادي” كانت له جارية تسمى *غادر* وكانت احظى الناس عنده وكانت من أحسن النساء وجها وغناء..
غنت يوما وهو مع جلسائه على الشراب:

بين التراقي واللهاة حرارةٌ..
لا تطمئنُ ولا تسوغُ فتبردُ..

بيت شعر رقيق يصف موضع غصة المحبين وصفا تشريحيا دقيقا!

ويقول الأصفهاني في “الأغاني”- وبينما هو كذلك (اي الهادي) إذ عرض عليه سهوٌ وفكرٌ وتغير لونُه وقطع الشراب فقال جلساؤه: ما بال أمير المؤمنين أطال الله عمره؟
فقال: لقد وقع في قلبي أن جاريتي *غادر* يتزوجها أخي *هارون* من بعدي وهو ما يشق على نفسي!
فقالوا: أطال الله عمر أمير المؤمنين وكلنا فداؤه.
فقال: ما يزيل ذلك مافي نفسي!..
وامر باحضار *هارون الرشيد* وعرّفه بما خطر بباله فاستعطفه هذا وتكلم بما ينبغي ان يتكلم به في تطييب نفسه فلم يقنع *الهادي* بذلك وقال: لا بد ان تحلف لي.
فقال هارون: لأفعلن، وحلف له بكل يمين يحلف بها الناس من طلاق وعتاق وحج وصدقة وأشياء مؤكدة فسكنت نفس *الهادي* ثم قام فدخل على الجارية *غادر* واحلفها بمثل ذلك ثم لم يلبث شهرا، فمات…
فلما افضت الخلافة إلى *هارون* أرسل إلى الجارية يخطبها!
فقالت له: يا سيدي كيف *بأيمانك وبأيماني؟*
فقال: أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك؛ فتزوجها..!

وجاء في الأثر ان *هارون الرشيد* حجّ ماشياً ليمينه..وشغف بها أكثر من أخيه، حتى أنها كانت تنام، فيضجع رأسَها في حجره، ولا يتحرك حتى تنتبه!
وبينما هي كذلك في حجره، ذات مرة، انتبهت فزعة فقال لها: ما لك؟
قالت: رأيت أخاك في المنام ساعة وهو يقول:

*أخلفتِ وعدِك بعدما*
*جاورتُ سكان المقابر*

*ونسيتِني وحنثتِ فيّ*
*وغدوت في الحور الغرائر..*

ونكحتِ غادرةً أخي
صدق الذي سماك غادر

وقالت: يا أمير المؤمنين كانها أبيات منحوتة في قلبي..
فقال: هي أضغاث أحلام!
فقالت: كلا والله…وبدأ جسمُها يرتعش حتى ماتت بعد ساعة!

فيا رعاك الله:

هل ترى أن ما قاله الأصفهاني في أغانيه عن قصة غادر صحيح؟ وإن كان غير ذلك، فلِمَ ظل الحال كما هو عبر القرون، دون ان ينبري أحد من علمائنا لدحض قول الأصفهاني؟
أم أنك ترى أيها القاريء الكريم؛ أن الأصفهاني واصحابه من الرواة ما نقلوا عن الخلفاء ما نقلوه إلا نكاية بهم؛ وتشفيا فيهم، وإغضاباً لهم، لتفضيلهم الشعراء على كل اهل الادب الآخرين، مما أثار حفيظة هؤلاء عليهم، فانتقموا منهم بنسب فاحش القول والفعل لهم، وهم بريئون مما أُتُهمِوا به زوراً وبهتاناً..؟

ليتني ادري!