جدل واسع حول استمارة تسجيل الإعلام الإلكتروني بالسودان ومخاوف من تقييد الحريات

الخرطوم ، الغد السوداني – أثار القرار الصادر عن وزارة الثقافة والإعلام في حكومة كامل إدريس، والقاضي بإلزام المواقع والمنصات والصحف الإلكترونية بالتسجيل لدى الوزارة، جدلاً واسعاً في الأوساط الصحفية، وسط مخاوف متزايدة من اتساع نطاق الرقابة وتقييد حرية العمل الإعلامي الإلكتروني، في ظل غياب قانون واضح ومنظم لهذا القطاع.

 

وبحسب التعميم الصحفي الصادر عن الوزارة، دُعي أصحاب المواقع والمنصات الإلكترونية إلى استكمال إجراءات التسجيل والحصول على التصاريح القانونية عبر استمارة مخصصة، مع تمديد المهلة الزمنية للتسجيل لمدة أسبوعين إضافيين بعد انتهاء الفترة السابقة التي امتدت من 29 أبريل وحتى 31 مايو، لتبدأ المهلة الجديدة في الأول من يونيو وتنتهي منتصف الشهر الجاري.

 

وأوضحت الوزارة أن هذه الخطوة تأتي بالتنسيق مع المجلس القومي للصحافة والمطبوعات، وتهدف إلى تنظيم قطاع الإعلام الإلكتروني، وبناء قاعدة بيانات للمؤسسات والمنصات، بما يعزز العمل المؤسسي ويرتقي بالمهنية ويرسخ مفاهيم المسؤولية الإعلامية.

 

في المقابل، حذّرت الوزارة من اتخاذ إجراءات قانونية بحق المواقع والمنصات التي لا تلتزم بإكمال إجراءات التسجيل بعد انتهاء المهلة المحددة، دون أن توضح طبيعة هذه الإجراءات أو نطاقها القانوني، ما زاد من حالة الغموض والقلق في الوسط الإعلامي.

 

وكانت استمارة التسجيل التي اطلعت عليها بعض المنصات الإعلامية،قد أثارت انتقادات حادة، حيث تضمنت بيانات تفصيلية تتعلق بالمنصة الإلكترونية، من بينها نوع الاستضافة، وبيانات المالك والمسؤولين، ومعلومات عن الطاقم التحريري والدعم الفني، إضافة إلى بيانات تتعلق بالفحص الجنائي.

 

ويرى عدد من الصحفيين وملاك المواقع الإلكترونية أن طبيعة هذه البيانات تتجاوز حدود التنظيم الإداري إلى مستوى أوسع من التدخل في خصوصية المؤسسات الإعلامية، ما يجعل الإجراء أقرب إلى الرقابة منه إلى التنظيم المهني.

 

وفي ملاحظات نقدية على الاستمارة، أشار مختصون إلى أن بعض البيانات المطلوبة تُعد حساسة من الناحية التقنية والأمنية، مثل البريد الإلكتروني المستخدم في تسجيل النطاق والبريد المرتبط بالدومين، وبيانات شركة الاستضافة، وتفاصيل الحماية الإلكترونية المستخدمة، وهي معلومات عادة ما تُعامل باعتبارها جزءاً من البنية الأمنية للمواقع.

 

كما أُثيرت تساؤلات حول طلب مستندات إثبات ملكية النطاق، بما في ذلك تفاصيل مرتبطة بوسائل الدفع الإلكتروني المستخدمة في شراء الدومين، إلى جانب طلب معلومات تقنية وإدارية دقيقة عن طاقم العمل، وهو ما اعتبره منتقدون توسعاً غير مبرر في جمع البيانات.

 

وذهب بعض الخبراء إلى أن الاستمارة تخلط بين المفاهيم التقنية والإدارية، مثل التمييز بين أنواع الاستضافة، وتحديد مهام المسؤولين داخل المواقع، فضلاً عن إدراج تصنيفات غير دقيقة لبعض المصطلحات التقنية، ما يعكس – بحسبهم – ضعفاً في فهم البنية التقنية للإعلام الرقمي.

 

وفي سياق متصل، أشار منتقدون إلى أن الكشف عن وسائل الحماية الإلكترونية أو تفاصيل البنية التقنية قد يثير مخاطر أمنية، نظراً لأن هذه المعلومات عادة ما تُحاط بدرجة عالية من السرية لحماية المواقع من الهجمات الإلكترونية.

 

ورغم الجدل، يرى مراقبون أن تنظيم قطاع الإعلام الإلكتروني يظل ضرورة ملحة، إلا أن ذلك يتطلب، بحسب تعبيرهم، إطاراً قانونياً واضحاً ومتكاملاً، وتنسيقاً بين الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارات الإعلام والاتصالات والعدل، بما يضمن تحقيق التوازن بين التنظيم المهني وحماية حرية الصحافة.

 

ويؤكد هؤلاء أن غياب التشريعات المنظمة لهذا القطاع خلال السنوات الماضية أسهم في خلق فراغ تنظيمي، إلا أن معالجته، وفقاً لوجهة نظرهم، يجب أن تتم عبر قوانين واضحة ومعايير مهنية دقيقة، بعيداً عن الإجراءات الإدارية الفضفاضة أو غير المحسوبة.