في القاهرة.. أبناء أم درمان يستعيدون الوطن بالشعر والحقيبة: أمسية تهزم الحرب بالحنين

المحرر الثقافي، محمد إسماعيل – في إحدى قاعات حي عابدين بوسط القاهرة، لم يكن الحاضرون مجرد جمهور جاء لمتابعة أمسية شعرية وغنائية، بل كانوا يبحثون عن شيء أكبر: قطعة صغيرة من الوطن المفقود.

هناك، داخل منتدى أبناء أم درمان بجمعية صاي السودانية، تحولت أمسية الاثنين إلى مساحة مفتوحة للحنين، حيث اجتمع شعراء وفنانون ومثقفون وسودانيون حملوا معهم ذاكرة المدن البعيدة وأوجاع الحرب وأسئلة العودة.

لم تكن الأمسية مجرد فعالية ثقافية عابرة؛ كانت محاولة جماعية لإعادة إنتاج السودان، ولو لساعات.

بدأت الليلة بالشعر.

تقدم الشعراء ماجد عبد الملك وعثمان عبد القيوم والدكتورة سولي إلى المنصة، يحمل كل منهم وطناً مختلفاً داخل قصيدته، لكن جميعهم التقوا عند نقطة واحدة: الحنين.

جاءت النصوص مشبعة بلغة سودانية دارجة، بدت أقرب إلى أحاديث البيوت القديمة منها إلى القصائد الرسمية، وهو ما منحها قدرة خاصة على الوصول إلى الجمهور. لم تكن الكلمات تبحث عن البلاغة بقدر ما كانت تبحث عن الوجدان.

قصائدهم تحركت بين هموم الذات وانكسارات الحرب وأحلام العودة، بينما ظل الوطن حاضراً باعتباره شخصية رئيسية في كل النصوص، لا مجرد موضوع للكتابة.

أما الدكتورة سولي، فقد اختارت طريقاً مختلفاً قليلاً. قرأت نصوصاً بدت كأنها محاولة لعلاج الروح الجماعية المنهكة، متنقلة بين مدن السودان المثقلة بالخسارات، لكنها كانت ترسم صوراً أقل قسوة، كأن الشعر هنا لا يوثق الحرب فقط، بل يحاول أيضاً مداواة آثارها. في قصائدها، تحول الغياب إلى ألم يومي، بينما بدت العودة إلى الوطن خلاصاً روحياً أكثر من كونها حدثاً جغرافياً.

لكن الشعر وحده لم يكن كافياً.

حين صعد الفنان ياسر تمتام إلى المنصة، بدأت مرحلة أخرى من استعادة الذاكرة. صدحت أغنيات الحقيبة وأغنيات الزمن الجميل داخل القاعة، فتحولت الأمسية من منصة ثقافية إلى مساحة جماعية لاستدعاء السودان القديم؛ السودان الذي ما زال يعيش داخل الأغنيات.

ياسر تمتام، أحد الأصوات التي برزت خلال تسعينيات القرن الماضي، بدا مدركاً تماماً لما يريده الجمهور. اختار أغنيات تتكئ على الحنين، وتحافظ على الصلة الوجدانية مع ذاكرة المستمعين، مستفيداً من علاقته الطويلة بأغنيات الحقيبة التي ظل يقدمها بخصوصية واضحة.

ومع كل أغنية، كانت المسافات بين القاهرة وأم درمان تتقلص قليلاً. اللافت في الأمسية لم يكن فقط الشعر أو الغناء، بل طبيعة الحضور نفسه.

أطباء، أكاديميون، إعلاميون، سينمائيون، موسيقيون، ووجوه من أطياف اجتماعية مختلفة اجتمعوا داخل القاعة نفسها. كان بينهم الإعلامي مرتضى، والموسيقي كمال يوسف، والسينمائي عبادي محجوب، إلى جانب شخصيات سودانية وعربية أخرى حضرت لتشارك السودانيين مساءً مختلفاً.

هنا تحديداً، بدا أن الحرب، رغم قدرتها على تفريق الناس جغرافياً، فشلت في تفكيك شبكاتهم الثقافية والوجدانية. أدار الأمسية المخطط الثقافي عبد المنعم الكتيابي، بينما بدا منتدى أبناء أم درمان وكأنه يؤدي وظيفة تتجاوز النشاط الثقافي التقليدي.

في زمن النزوح الجماعي والاقتلاع، تصبح مثل هذه المساحات أكثر من مجرد منتديات. تصبح وطناً مؤقتاً.

ولعل هذا ما جعل تلك الليلة تبدو مختلفة.

ففي قلب القاهرة، لم يجتمع أبناء أم درمان فقط ليستمعوا إلى الشعر والغناء. اجتمعوا، ولو لساعات قليلة، كي يشعروا أن الوطن ما زال ممكناً.