السودان في عامه الرابع من الحرب: الأمم المتحدة توثق “نمط إبادة” و6000 قتيل خلال 72 ساعة

الخرطوم، الغد السوداني – في بلدٍ أنهكته الحرب، تبدو الكلمات أحيانًا عاجزة عن ملاحقة حجم المأساة. لكن ما كشفته الأمم المتحدة هذه المرة يتجاوز الوصف التقليدي للأزمات، ليقترب من توثيق نمط متكرر من الفظائع، يعيد إنتاج نفسه بلا توقف.

في مؤتمر صحافي بمناسبة دخول النزاع في السودان عامه الرابع، رسمت دينيس براون، المنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية، صورة قاتمة لبلدٍ “عالق في حلقة مفرغة” من الانتهاكات، تشمل العنف الجنسي، والنزوح القسري، والقتل الجماعي، وسط غياب أي أفق سياسي فعّال.

عنف يتكرر… وكأنه القاعدة

تقول براون إن ما يجري في السودان لم يعد مجرد أزمة متفاقمة، بل تحوّل إلى نمط متكرر من المآسي. تقارير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان توثق انتشارًا واسعًا للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاغتصاب الجماعي، خصوصًا في دارفور، حيث لم تعد هناك “أي مساحة آمنة للنساء والفتيات”.

وبحسب إفادات أطباء بلا حدود، تم علاج نحو 500 ناجية من العنف الجنسي خلال العام الماضي وحده، في مؤشر على عمق الأزمة، ليس فقط من حيث حجم الجرائم، بل من حيث آثارها النفسية والاجتماعية الممتدة.

الفاشر… ثلاثة أيام من الدم

في واحدة من أكثر الإشارات صدمة، تحدثت براون عن مقتل نحو 6000 شخص خلال ثلاثة أيام فقط في الفاشر، مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير.

وتذهب تقارير بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى أن ما يحدث يحمل “سمات إبادة جماعية”، في توصيف يعيد إلى الواجهة واحدة من أخطر الجرائم في القانون الدولي.

نجمع شظايا الأزمة

ورغم استمرار عمل المنظمات الإنسانية، تؤكد براون أن دورها يظل محدودًا في “الاستجابة للنتائج” لا معالجة الأسباب. “نحن نجمع شظايا الأزمة”، تقول، في إشارة إلى واقع تعمل فيه الفرق الإنسانية على احتواء الكارثة دون القدرة على إنهائها.

في مناطق مثل الدلنج، تتعطل القوافل الإنسانية بفعل الهجمات المتكررة، بينما يفر السكان دون ممرات آمنة. وفي النيل الأزرق، نزح نحو 30 ألف شخص مؤخرًا مع تجدد القتال، ما يعكس اتساع رقعة الأزمة.

أزمة تمويل… وأزمة إرادة

تكشف الأرقام عن فجوة صادمة: خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، البالغة 2.9 مليار دولار، لم يُموَّل منها سوى 16% فقط. رقم يختصر، وفق براون، محدودية الاستجابة الدولية مقارنة بحجم الكارثة.

وتنتقد المسؤولة الأممية ضعف التحرك الدولي، متسائلة: ما الذي يتطلبه الأمر لتحفيز استجابة عالمية حقيقية؟ وتشدد على أن الحل لا يكمن فقط في المساعدات، بل في معالجة جذور النزاع، بما في ذلك تدفقات السلاح.

بين “منسية” و”مهجورة”

في ختام إحاطتها، ترفض براون وصف الأزمة السودانية بأنها “منسية”، مفضّلة توصيفًا أكثر قسوة: “مهجورة”.

ورغم ذلك، تشير إلى مبادرات محلية تسعى للحفاظ على التماسك الاجتماعي، بوصفها بصيص أمل في بلدٍ يقف على حافة الانهيار الكامل.