توجيهات “إدريس” للصناعة.. هل تنجح في تحريك التروس؟

الغد السوداني ، أمين محمد الأمين

في خطوة وُصفت بأنها «محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه»، أعلن رئيس الوزراء، د. كامل إدريس، حزمة من التوجيهات الاقتصادية الهادفة إلى تحريك ركود القطاع الصناعي وإعادة التوازن إلى الميزان التجاري المختل. وبينما تسعى الحكومة، من خلال هذه القرارات، إلى تحفيز الإنتاج المحلي، يضع خبراء ومراقبون هذه التوجهات تحت مجهر التحليل؛ محذرين من أن القطاع الصناعي قد «اقتُلع من جذوره» بفعل الحرب، الأمر الذي جعل الاعتماد على الواردات الأجنبية يفرض واقعًا تنافسيًا معقدًا.
وفي وقت يرى فيه محللون أن «رأس المال الجبان» لا يزال يراقب بحذر تطورات المشهد الأمني، يبرز تدهور البنية التحتية واتساع فجوة الكهرباء بوصفهما من أبرز العوائق أمام أي حراك إنتاجي فعلي.
فهل تكفي «الإرادة السياسية» لإعادة دوران عجلة الصناعة؟ وكيف يمكن للحكومة ردم الفجوة بين الطموحات الاقتصادية وواقع المصانع المتضررة؟

رؤية استراتيجية

رسم الخبير الاقتصادي الدكتور عوض الله موسى علي صورة واقعية لمستقبل القطاع الصناعي، معتبراً أن الحديث عن زيادة الإنتاج يظل في إطار “النظريات” ما لم يستند إلى رؤية استراتيجية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب.

واقع مأزوم

و ​أكد د. عوض الله أن القطاع الصناعي السوداني يمر بمرحلة حرجة، واصفاً إياه بأنه “اقتُلع من جذوره” جراء الحرب التي تسببت في انهيار البنية الأساسية، ونهب المصانع، وتراكم التزامات مالية ضخمة. وحذر موسى من هيمنة سلع الوارد التي سارعت لتغطية الفجوة، مبيناً أن هذه السلع، رغم توفيرها لاحتياجات الجمهور، خلقت واقعاً معقداً يتمثل في منافسة شرسة للمنتج المحلي من حيث التكلفة والجودة.

تحديات الإعمار

​ويرى موسى أن القطاع الصناعي ينتظره تحدي “إعادة الإعمار” أولاً، متسائلاً عن غياب السياسات المحفزة. وقال: “لا يمكننا مطالبة المصانع بزيادة الإنتاج قبل حل مشاكلها الجوهرية؛ فالقطاع يحتاج إلى سياسات تمويلية وجمركية وضريبية مرنة تهدف لامتصاص الصدمات، خاصة في ظل هروب رأس المال وتراجع القدرة التنافسية أمام سلع دول الجوار”.

​المحيط الدولي

ولم يعزل د. عوض الله الواقع المحلي عن المتغيرات الدولية، مشيراً إلى أن التوترات الإقليمية أثرت مباشرة على أسعار النفط والطاقة وتكاليف النقل. وأوضح أن التضخم العالمي سيُصدّر للسودان عبر بوابة المحروقات ومدخلات الإنتاج، ما يفرض على الدولة وضع رؤية واضحة لامتصاص هذه الآثار، وإلا فإن تكلفة الإنتاج المحلي ستظل مهدداً رئيساً أمام المستورد.

روشتة الحل

واختتم الدكتور عوض الله موسى إفادته بتقديم رؤية لإعادة الروح للقطاع، تبدأ باستعادة “لياقة” البنية التحتية المصرفية والجمركية وتوفير الطاقة المستقرة، إضافة إلى تبني سياسات حمائية ذكية تضمن للمنتج المحلي القدرة على منافسة السلع الوافدة، إلى جانب ضرورة وجود إدارة سياسية وتنفيذية رشيدة توازن بين تدفق الواردات وتنمية الصناعة الوطنية، وصولاً إلى استقرار حقيقي في الميزان التجاري.
​وتساءل موسى في ختام حديثه: “ما هي الضمانات البنكية والجمركية التي ستلتزم بها الدولة فعلياً؟ فالتنبؤ بمستقبل الاستقرار الاقتصادي رهين بمدى جدية تنفيذ هذه السياسات على أرض الواقع”.

ضخ الاستثمار

وفي السياق ذاته ​اعتبر الكاتب الصحفي جعفر النجيب أن التوجيهات الأخيرة لرئيس الوزراء د. كامل إدريس تمثل خطوة تشجيعية لتحفيز رؤوس الأموال الوطنية والمهاجرة على العودة وضخ الاستثمارات، بهدف إحداث التوازن المطلوب في الميزان التجاري، إلا أنه وصف هذه الخطوات بأنها “غير كافية” في ظل الراهن المعقد.

​عقبات أمنية

​يرى النجيب أن التحدي الأمني يظل العائق الأكبر، مؤكداً أن “رأس المال جبان” بطبعه، ولا يمكن إقناع المستثمرين بالعودة إلى بيئة تفتقر للاستقرار وتسيطر عليها مؤشرات الحسم العسكري وغياب رؤية واضحة للسلام. وأوضح أن استمرار الحرب يجعل الموارد تتوجه بالكامل نحو المجهود الحربي، وذلك على حساب قطاعات التنمية والخدمات التي ينتظرها المواطن.

​بنية منهارة

وأشار النجيب إلى أن القطاع الصناعي يواجه معضلة دمار البنية التحتية، حيث إن المصانع التي كانت تمثل عصب الإنتاج باتت الآن منهارة تماماً، وتحتاج إلى وقت طويل وجهد استثنائي لإعادة تشغيلها. وشدد على أن دعوات العودة تتطلب توفير مقومات أساسية، على رأسها استقرار التيار الكهربائي الذي يعاني حالياً من “فجوة” كبيرة تعيق أي نشاط إنتاجي.

أزمات الصادر
​وفيما يخص قطاع الثروة الحيوانية، كشف النجيب عن أزمة حادة في انسياب السلع والموارد نتيجة الصراع بين الأطراف المتنازعة، حيث تأثرت مناطق الإنتاج بفرض قيود على الحركة، ما أدى لتعثر وصول الصادرات إلى الأسواق الخارجية. وبشأن الزراعة، ذكر أنها بدأت في التعافي تدريجياً، لكنها لم تصل بعد لمرحلة الكفاية التي ترفد خزينة الدولة بالعملة الصعبة.

تحديات الثقة

​واختتم جعفر النجيب إفادته بتقييم أداء الحكومة، مشيراً إلى أن الانطباع العام يضع أداء حكومة د. كامل إدريس في مرتبة “أقل من الوسط”. ودعا الحكومة إلى ضرورة تقديم نفسها بشكل أفضل والتركيز على قضايا المواطن الأساسية لنيل الثقة، مؤكداً أن إقناع رؤوس الأموال بالعودة للاستثمار في الخرطوم يتطلب خطوات عملية ملموسة تتجاوز مجرد التوجيهات النظرية.

خلاصة المشهد

يبدو أن معركة “الاستقلال الاقتصادي” التي تقودها الحكومة عبر بوابة الصناعة لن تكون سهلة المنال؛ فالفجوة بين التوجيهات الرسمية وتحديات الأرض ما زالت تتسع، بدءاً من أزمة الطاقة والكهرباء، وصولاً إلى تعقيدات الصادر والوارد في ظل الصراع المستمر. إن نجاح رؤية رئيس الوزراء يظل رهيناً بتقديم “خارطة طريق” عملية تدمج بين التحفيز المالي والحماية الجمركية والاستقرار الأمني. فبدون فعل حقيقي يلمسه الصانع والمستثمر في قلب الخرطوم والولايات، ستظل هذه التوجيهات مجرد حبر على ورق، وينتظر المواطن السوداني “قفة ملاح” لا ترهقها الأسعار، وصناعة وطنية تسترد كرامتها في الأسواق المحلية.