28 ألف نازح وارتفاع الحصبة.. أرقام صادمة تكشف انهيار الأمن والصحة في السودان

الخرطوم، الغد السوداني – 28,020 نازحاً، 5,609 أسرة، وارتفاع بنسبة 18% خلال عشرة أيام فقط… أرقام تختصر مشهداً إنسانياً متسارع الانهيار في السودان، حيث تتقاطع الحرب مع المرض، ويتحوّل النزوح إلى بيئة خصبة للأوبئة. في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة من تفشي الحصبة، تؤكد أن حياة المدنيين باتت على المحك، بينما تتحدث المنظمة الدولية للهجرة عن موجة نزوح هي الأسرع منذ بداية العام.

في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، لا يبدو النزوح مجرد نتيجة جانبية للقتال، بل أصبح مساراً يومياً لآلاف الأسر التي تغادر تحت ضغط الرصاص، لتصل إلى وجهات غير مهيأة للحياة. هناك، في الدمازين والروصيرص والتضامن وود الماحي، تتكدس الأجساد في مواقع غير رسمية، حيث يلجأ نحو 87% من النازحين، فيما تتوزع النسبة المتبقية بين مدارس ومبانٍ عامة وأسر مضيفة.

لكن الأرقام، على قسوتها، لا تعكس كامل المشهد. فبين خيام النزوح، تتسلل الحصبة كخطر صامت. المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، حذر من ارتفاع الإصابات وسط بيئات مكتظة تفتقر لأبسط مقومات الصحة، في وقت تعاني فيه أنظمة المياه والصرف الصحي من هشاشة مزمنة، زادتها الحرب تعقيداً.

الأزمة لا تقف عند حدود المرض. فبحسب الأمم المتحدة، أدى انعدام الأمن إلى قطع طرق إمداد رئيسية، بينها طريق الرهد – الدلنج، ما أعاق وصول الغذاء والدواء، بينما أدى تدمير مستودع إمدادات صحية في النيل الأبيض إلى تعطيل توزيع أدوية حيوية. وفي جنوب كردفان، فاقم نقص الوقود من شلل الخدمات وارتفاع تكاليفها.

في المقابل، تتسارع وتيرة العمليات العسكرية على الأرض. الجيش السوداني أعلن تحقيق تقدم ميداني في مناطق بإقليم النيل الأزرق، بينما تشير تقارير إلى تحشيدات مقابلة لقوات «الدعم السريع» و«الحركة الشعبية – شمال»، خصوصاً في محيط مدينة الدمازين. هذا التصعيد يعيد رسم خريطة النزوح، ويدفع بمزيد من المدنيين إلى الهروب، بعضهم نحو إثيوبيا، وآخرون إلى المجهول داخل حدود البلاد.

المنظمة الدولية للهجرة تضع رقماً إضافياً على الطاولة: أكثر من 4 آلاف نازح خلال عشرة أيام فقط، ضمن موجة متصاعدة تعكس هشاشة الوضع الأمني والإنساني. هؤلاء، خصوصاً النساء والأطفال، يواجهون مخاطر مضاعفة، من العنف وسوء المعاملة إلى الجوع والمرض.

وفي خضم هذا المشهد القاتم، تبدو الاستجابة الإنسانية أقل من حجم الكارثة. غرفة طوارئ النيل الأزرق تحذر من أن الأزمة تجاوزت قدرات الاستجابة المحلية، مع نقص حاد في الغذاء والمياه، واكتظاظ مراكز الإيواء، وتراجع الخدمات الصحية، ما يرفع احتمالات تفشي أمراض أخرى إلى جانب الحصبة.

ورغم ذلك، تواصل الأمم المتحدة الدعوة إلى وقف فوري للأعمال العدائية، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، مؤكدة أن المدنيين لا يزالون في دائرة الخطر. وبينما تتحرك المساعي السياسية، بما في ذلك مشاورات المبعوث الأممي بيكا هافيستو، تظهر بوادر محدودة للاستقرار في مناطق مثل أبيي، حيث تم توقيع إعلان نوايا لنزع السلاح وتعزيز السلام المجتمعي.

لكن تلك المؤشرات تبدو بعيدة عن واقع النيل الأزرق، حيث تتقدم الحرب أسرع من أي مبادرة، ويتحول النزوح إلى قدر يومي، والمرض إلى تهديد موازٍ. في السودان اليوم، لا يهرب المدنيون فقط من الرصاص، بل من نظام حياة ينهار… ببطء، وبأرقام تتصاعد.