
“سوف ننجو”… فيلم سوداني يوثق الحرب من داخل الألم: حين يصبح المصور ضحية الصورة
في قاعة صغيرة بدار اتحاد تجمع الفنانين السودانيين في القاهرة، لم يكن العرض مجرد فعالية سينمائية عابرة، بل جلسة اعتراف جماعي مفتوحة على ذاكرة حرب لم تهدأ بعد. مساء الأحد، عُرض فيلم “سوف ننجو” وسط حضور لافت من نقاد ومهتمين بالسينما السودانية، في لحظة بدت أقرب إلى مواجهة مباشرة مع الذات السودانية المنفية.
الفيلم، الذي يحمل توقيع المصوّر والمخرج مهند بلال، لا يقدّم سرداً تقليدياً عن الحرب، بل يضع المشاهد داخل التجربة الشخصية لصانعها؛ تجربة تبدأ من لحظة اندلاع القتال في الخرطوم، وتمتد إلى تفاصيل النزوح القاسي، حيث تتحول الكاميرا من أداة توثيق إلى وسيلة للبقاء.
يقول بلال لـ”الغد السوداني” إن الفيلم “محاولة لتوثيق معاناتي مع أطفالي خلال الحرب، وكيف عشنا اللحظات الأولى لانفجارها، تلك اللحظات التي لم تكن مجرد حدث سياسي، بل زلزالاً إنسانياً غيّر كل شيء”.
لكن “سوف ننجو” لا يقف عند حدود السيرة الذاتية. في قلب العمل، يظهر المصوّر الإخباري ممزقاً بين واجبه المهني في نقل الحقيقة، وبين انهيار حياته الشخصية. من الخرطوم إلى المنافي، يلاحق قصص اللاجئين، قبل أن يكتشف أنه صار جزءاً من هذه القصص، لا مجرد شاهد عليها.
الصور التي يلتقطها بلال في الفيلم لا تبدو محايدة؛ إنها مشبعة بالذاكرة والخوف والأسئلة المؤجلة. وبين لقطات النزوح والوجوه المنهكة، يتشكل سؤال مركزي: كيف يمكن للإنسان أن يوثّق الألم، دون أن يتحوّل هو نفسه إلى أحد ضحاياه؟
الحضور في القاعة لم يكن صامتاً تماماً. بعد العرض، انفتحت نقاشات حادة حول دور السينما السودانية في زمن الحرب، وحدود التوثيق، وأخلاقيات تحويل المأساة إلى مادة بصرية. بعض النقاد رأى أن الفيلم ينجح في كسر المسافة بين “الراوي” و”الضحية”، بينما اعتبر آخرون أنه يذهب أبعد من ذلك، ليطرح سؤالاً وجودياً عن معنى النجاة نفسها.
في “سوف ننجو”، لا تبدو النجاة حدثاً نهائياً، بل حالة مؤقتة، أو ربما وهمٌ جميل يتمسك به من فقدوا كل شيء. الفيلم، بهذا المعنى، لا يقدّم إجابات بقدر ما يفتح جروحاً لا تزال تنزف.
