”قفة الملاح”.. رحلة الانكماش من “الكيلو” إلى “التجزئة المجهرية
تقرير، أمين محمد الأمين - في أسواقٍ خلت جيوب روادها من بريق الفرح، تضج الوجوه بملامح حيرةٍ لا تخطئها العين؛ حيث تحولت رحلة البحث عن مستلزمات “الملاح” اليومي إلى معركة حسابية خاسرة أمام غول التضخم. لم يعد المواطن السوداني يواجه غلاءً عادياً، بل يواجه واقعاً “سريالياً” تعجز الأرقام عن وصفه؛ واقعاً جسده فيديو متداول لرجل مسن يقف خارج صفوف الخبز المتراصة، مستنكراً في دهشة مريرة وصول سعر أربع رغيفات صغيرات إلى ألف جنيه سوداني، ومستحضراً قيم الصبر والجلد السوداني بقوله: “نحن كنا بنصوم رمضان عادي..”؛ في إشارة بليغة إلى أن من استطاع تحمل مشقة الصيام قديماً، بات اليوم يستطيع العيش بوجبة واحدة خلال اليوم.
واقع جديد
ولم تكن صرخة ذلك المسن مجرد انفعال عابر، بل كانت تجسيداً لواقعٍ جديد فاجأت به مخابز العاصمة المواطنين؛ حيث ارتفع سعر الرغيفة الواحدة إلى 250 جنيهاً بدلاً من 200 جنيه. هذه القفزة المباغتة يعزوها أصحاب المخابز إلى انفجارٍ في تكاليف التشغيل؛ فقد قفز سعر جوال الدقيق إلى 73,800 جنيه صعوداً من 55 ألفاً في الشهر الماضي، بينما تضاعف سعر قنطار الحطب ليصل إلى 27 ألف جنيه، وارتفع سعر الخميرة إلى 155 ألف جنيه، مما وضع المنتج والمستهلك معاً في فكّيْ كماشة.
هذا الأنين الصامت يعكس انكماشاً مخيفاً في “القفة” التي تخلت مرغمة عن البروتينات، واستقرت عند حدود “البيع بالتجزئة المجهرية”؛ حيث يُباع الزيت والسكر بوحدات صغيرة جداً تكفي لطبخة يوم واحد فقط.
تضخم جامح
يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة النيلين، مزمل الضيء عباس، أن هذه الزيادة المهولة تمثل حالة “تضخم جامح”، ناتجة عن تضافر عدة أسباب؛ أبرزها ارتفاع التكاليف الناجمة عن زيادة الضريبة الجمركية وتعدد الجبايات، بالإضافة إلى التكاليف الإدارية التي يضيفها المنتج أو صاحب المصنع على القيمة الكلية للسلعة مع هامش الربح، مما يؤدي في النهاية إلى انفجار الأسعار الكلية للدولة.
تآكل العملة
ويعزو عباس تدهور قيمة العملة الوطنية إلى ضعف الإنتاج والاعتماد على مورد اقتصادي محدد في الصادر، حيث يتم تصدير المواد الخام كالمواشي والمحاصيل دون “قيمة مضافة” تصنيعية، مما يجعل العائد من الصادر ضعيفاً جداً. ويضيف أن تهرب بعض المصدرين من توريد العملات الصعبة عبر القنوات الرسمية يساهم بشكل مباشر في تآكل القوة الشرائية للجنيه.
استيراد مجهد
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن الاعتماد على الخارج يمثل عبئاً ثقيلاً؛ إذ إن 70% إلى 80% من المنتجات في الأسواق السودانية مستوردة. هذا الاعتماد الضخم يضع الدولة في مواجهة دائمة مع ندرة النقد الأجنبي، مما يضطر التجار للجوء إلى “السوق السوداء” لتغطية احتياجاتهم، وهو ما يرفع الطلب على العملات الأجنبية ويهوي بقيمة الجنيه السوداني.
جشع واحتكار
وفي جانب آخر، يكشف عباس عن دور “جشع التجار” في تفاقم الأزمة؛ حيث يحاول البعض تعويض خسائر السنوات السابقة عبر احتكار السلع والمضاربة بها. ورغم أن ارتفاع أسعار الوقود كان عالمياً أو مرتبطاً بسلاسل الإمداد بنسب طفيفة، إلا أن التجار اتخذوا منه حجة لرفع الأسعار بفوارق شاسعة لا تتناسب مع التكلفة الحقيقية.
روشتة الإنقاذ
وفي ختام رؤيته، يشدد عباس على ضرورة تدخل الدولة لإلزام التجار بكتابة الأسعار وتحديد “أرضية وسقف سعري” لحماية المستهلك والمنتج. كما يطالب بتشجيع الإنتاج المحلي للسلع الاستهلاكية لـ “تمزيق فاتورة الاستيراد”، والتركيز على دعم سلع محددة ومنع استيراد الكماليات التي تستنزف النقد الأجنبي دون جدوى اقتصادية حقيقية.
التحايل للعيش
في نهاية المطاف، لم تعد “قفة الملاح” مجرد وعاء للمقاضي اليومية، بل تحولت إلى مؤشر حي لصلابة الأسر السودانية وقدرتها على “التحايل” للعيش فوق أنقاض الانهيار الاقتصادي. ومع كل زيادة جديدة، يضيق الخناق أكثر على الموائد، لتفتح الأبواب لمبادرات التكافل الجماعي؛ فما عجزت “القفة” الفردية عن حمله، استطاعت “التكايا” و”المطابخ الجماعية” رفعه بجهد النفير الشعبي.
إن إنقاذ ما تبقى من “الخُضرة واللقمة” يتجاوز الحلول الإغاثية؛ فهو يتطلب رؤية اقتصادية تخرج من رحم الأزمة، تستثمر في الإنتاج المحلي وتعيد الحياة لشرايين الإمداد. وحتى يحين ذلك الوقت، ستظل “الحلة” الكبيرة في ساحات الأحياء هي الضمانة الأخيرة لمنع السقوط الكامل في هاوية الجوع.
