سرديات

الراووق

جاء ذكرُها في معلقة الأعشى بمعنى مصفاة الخمر، أي أنها الإناء الذي تصفّى فيه الخمر، فيحجز منها ما هو غير مرغوب:

نازعتُهم قُضبَ الريحانِ متكئا

وقهوةً مزةً راووقُها خضل..

 

الاعشى يقول إنه تجاذب، ما حسن من أطراف الحديث، مع صحابه وهو متكيء (ماخد راحتو) وامامه دن الخمر ومصفاتها (راووقها) الرطبة؛ والرطوبة تشير إلى أن بالدن باق من قهوة؛ وهي الخمر؛ ولسان حال شاعرنا يقول إئتني يا ساقي القوم، بالصبوح!

 

و *الراووق* على لسان سيدة هندية، جاء بمعنى الغشاوة التي تمنع العين من رؤية الأشياء كما هي؛ وإنما كما يراها الشخص، سلبا أو ايجابا..

 

سيدة هندية استضافتها مجموعتنا التي كانت تحرص؛ خلال سنوات الاغتراب، على عقد جلسات راتبة كل شهر، للمؤانسة وتحقيق الفائدة من تلاقح الافكار؛ التي يساهم بها الاعضاء من واقع خلفياتهم الثقافية المتنوعة..اعضاء المجموعة من جنسيات عدة؛ بريطانيون، افارقة؛ آسيويون؛ فنزويليون، فرنسبون، عرب؛ امريكيون؛ وغيرهم، جاءوا من بلدان، تدير فيها شركة شل العالمية عمليات التنقيب عن النفط والغاز وانتاجهما..شركة عملاقة تحرص دائما على تعزيز خبرات موظفيها بابتعاثهم للبلدان التي تدير فيها انشطتها النفطية …فالمهندس الذي يقضي خمس سنوات في ابردين في اسكتلندا، مثلا، يوفد الى نيجيريا او عمان ومن كان في نيجيريا يوفد الى أذربيجان او كندا وهكذا اكتسب برنامج تبادل الخبرات هذا، قيمته المتوخاة..Cross-posting programme..

 

السيدة الهندية، واسمها فينسي Vinci، كانت تدرّس مادة الأدب في المرحلة الثانوية، قبل تقاعدها بسنوات؛ وجاءت تزور ابنها المهندس وأسرته في مسقط؛ فاستضافتها مجموعتنا، بايعاز من زوجة ابنها..

 

قالت لنا في تلك الأمسية، إنها تأثرت أكثر ما تأثرت؛ بكاتبة أمريكية من أصول فرنسية يقال لها أنا-إيس نِن Anais Nin..قالت الخطرات التي كتبتها المبدعة الأمريكية كانت تضم أفكارا واقتباسات شكّلت شخصيتها لاحقا..

 

واستشهدت الضيفة في حديثها بعدة اقتباسات ظلت عالقة في ذهنها-كما قالت- منذ زمن بعيد ومنها عبارة تقول:

 

We don’t see things as they are, but as we are..

 

أي إننا لا نرى الأشياء كما هي، وإنما نراها بعدسة الحالة المزاجية التي تعترينا في تلك اللحظة..

 

قالت السيدة إن عدم تقدير الجمال لدى البعض؛ مرده إلى الحالة المزاجية التي تعتري الفرد منا من وقت لآخر فتورثه قلقا يصعب ترويضه..

 

في المدرسة التي كانت تعمل فيها قبل تقاعدها (وهي مدرسة مختلطة) كانت ادارة المدرسة تطلب من الطلبة قضاء بعض الوقت (نحو ربع ساعة) في فناء المدرسة ليعودوا بعد الاستراحة القصيرة ويكتبوا موضوعا عما شاهدوه من مصادر الجمال في فناء المدرسة..معظمهم كانوا يقصدون الحديقة التي تحفها زهور متنوعة..غير أن طالبة واحدة كانت ترى الجمال في مصادر غير تلك التي ألفها الآخرون..

 

الطالبة على حد زعم الضيفة كانت تذهب لقفص دواجن في بيت ملحق بالمدرسة يقع في ركن قصي بعيدا عن فصول الظراسة ويسكن فيه حارس المدرسة العجوز.. رجل بسيط ربما لم يلتفت اليه أحد سوى هذه الصبية..

 

ضيفتنا قالت إنها سألت الطالبة عن سر تحملها مشقة العبور وسط اعشاب طفيلية ووحل ورائحة روث وخوار ابقار، حتى تصل الى القفص، وتتأمل جمال الدجاج ..رد الطالبة-كما قالت ضيفتتا- أذهلها:

 

-جمال هذه الكائنات اللطيفة يذهب عني مشقة العبور وسط الاعشاب الطفيلية والوحل؛ إنها تكمل لي اللوحة التي اريدها..*الجمال أحيانا ياتي متنافرا لا متناسقا*..

 

ضيفتنا قالت إن رد الطالبة أفحمها..

 

“عرفت من الصبية (وأنا معلمتها) ان الجمال كاوتار العود، إن داعبت الأنامل وترا واحدا، اصابك الملل؛ اما ان تحركت الانامل وداعبت كل الاوتار بدرجات متفاوتة في الاصوات الصادرة منها، فتكون أذنك قد بلغت قمة عذوبة الموسيقى من خلال العبور بمراحل النقاء المتدرج في الراووق (المزاج)..”

 

Beauty is like the strings of a flute, can be appreciated in different ways. When individual strings (or aspects of beauty) are focused on alone, they might produce a monotonous or limited sound. But when combined, in harmony, and appreciated together, they create a richer, more beautiful tone.

 

This analogy encourages us to look beyond surface-level beauty and appreciate the complexity and depth that comes from combining different aspects.

 

المقارنة؛ كما قالت السيدة فينسي؛ تحضنا على ان لا نكتفي بالنظر للأشياء على السطح ونصدر عليها احكامنا، بل علينا الغوص لرؤية ما هو تحت السطح.. وهذا ما قصدته ضيفتنا بالحالة المزاجية عند مرورها عبر *الراووق* بمراحله المتدرجة!

 

فالراووق هنا، هو الغشاوة التي ولّدتها الحالة المزاجية لتتحكم في العين فلا تظهر لها الا ما تريد هي أي (الغشاوة)!..

 

When you’re upset or emotional, it can be tough to appreciate beauty or see things clearly. Your emotions can act like a filter الراووق making it harder to notice the good stuff.

 

When you’re feeling better, the lens الراووق clears up, and you can see the beauty around you more easily.

 

في التاسعة من صباح

يوم الجمعة من كل أسبوع، أعبر كبري النيل الأبيض لزيارة الأهل في الخرطوم…

 

هناك يستقبُلني بابتسامته الوضيئة..ابتسامتُه تضيء لي الطريق إلى عتمة *الداخل* فاسعدُ بدفء استقباله..

 

شيءٌ ما، يشدُّني إلى هذا الطفل:

عباس، ماسح الأحذية..

 

يتخذ مكانا للعمل، على مسطبة، تقابل البوابة الجنوبية، لمسجد الشهيد في الخرطوم..

جلستُ إلى جانبه.

 

قبل أن يبدأ العمل أخذ كيسا من حقيبة سوداء من القماش، بداخلها فتاتُ خبز جاف..توجّه إلى سرب من الحمام، يستفيء الظلَّ تحت شجرةٍ وريفة..تكاثرت عليه اسرابُ الحمام من أركان المسجد..عاد إلى عمله بعد أن أطعم الحمام..تبعته أسراب الحمام دون خوف او وجل، ثم تحلّقت حوله وكأنها تؤانسه في عمله..بعضُها على كتفه جثمت، وبعض آخر على راسه وأخريات حول قدميه تحوم…يبتسم لها وأشعر انها تبادله هذا الاحساس الإنساني..شعرت بأن الشجرَ يبتسم..

والنيل يبتسم..

والكون يبتسم..والأرض يسربلها الضياء..

 

الطيور من دون المخلوقات الاخرى، يشدني إليها جمالها حين أتأمّله، لا سيما الحمام..وجلستي هذه مع عباس، ماسح الأحذية، أزالت الغشاوة من عيني فعلّمتني ما كنت أجهله..ما يبدو لك من الوان ريش الحمام، انه لون ازرق ضارب إلى السواد الذي ينداح رويداً رويداً إلى اللون الرمادي، ما هو إلا سرابٌ خادع! فحين تسقط اشعة الشمس على ما بدا لك من الريش لاول وهلة، لوناً أزرقَ سرعان ما يتحول إلى مهرجان فرائحي من الالوان الجميلة: الازرق، الأحمر المائل إلى الصفرة والأخضر، والفيروزي واي لون آخر يخطر على بالك..كل هذه الالوان، حين تنزع عينك عنها غشاوتها، تنبجس جمالاً حين تدغدغها أشعة الشمس وترفع عنها غطاء الزرقة الطاغي…الآن فقط اغتسلت عيناي بأمطار الضياء!

 

الجمالُ كلمةٌ لا تقرؤها إلا العيون..هو تلك القوة التي تطالعنا في منظر ما- بعد ان ننزع عن أعيننا غشاوتها- فيثير فينا انفعالا يستولي على النفس، ويخلق حالةً من النشوة والارتياح..كحالي أنا الآن مع عباس وأسرابه!

 

سربٌ من حمام المسجد يؤانس صبياً، ماسح أحذية..ما أروع هذا المشهد حين ينتشلك من سرداب دهشة الزيف إلى هذا الحضور الزيزفوني الآسر..خاوصتُ، كما لو أنني أنظر إلى عين الشمس أو أقوِّم سهماً:

 

جمالٌ يستولد جمالاً، فيطل عليك كل مرة بجديد غيّبه عنك جهلك..

 

مشهد يسوقك مخفورا بحواسك الخمس، إلى حيث إئتلاق الإنسانية إنسانية!

 

We see things not as they are, but as we are!

 

نعم نحن لا نرى الأشياء كما هي بل كما نراها نحن في حالتنا المزاجية وراووقها!

 

عبّاس، أعذرني يا بني! فكثيراً ما نحكم على الشجرة من لحائها..

 

شردتُ بذهني بعيداً وأنا

انزع عنّي عباءة جهلي وعن عيني غشاوتها، ولسان حالي يردّد مع محمود درويش:

 

يقول لها:

أي زهرٍ تحبين؟ فتقول:

زهر القرنفل الأسود!

يقول: إلى أين تمضين بي والقرنفل أسود؟

تقول: إلى بؤرة الضوء في داخلي..

وتقول:

أبعد،

أبعد،

أبعد.

إلى أن يبلغ الراووق محطة النقاء النهائية تدريجيا:

 

هناك حيث تسربل الإنسانية الإنسان فيرى خلف سحب القبح جمالا….

 

شكراً *عباس* ماسح الأحذية، لقد علّمتني درساً لا تأتيني به الكتب!

علّمتني أن الكبرياء أن تقول لا شيء يحدث؛ في حين كل الأشياء تحدث بداخلك!

عجبي!

 

Faith is the bird that feels the light and sings when the dawn is still dark..

Tagore..

الإيمان هو ذلك الطائر الذي يحس بالضوء ويغني، والفجر ما زال يلفه غسق الدجى!

هذا طاغور الهند العظيم..

الجمال مبذول أمامك، ويدلك اليه حتى من كان ماسح أحذية؛ كصديقي عباس الطفل!..