السودان بين حرب تُدار و منبرٍ مُنحاز..هل يمكن صناعة سلام لا يُعاد تفجيره؟

بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن يكتب ..

في السودان، الحرب لا تدور فقط في الميدان، بل داخل شبكة معقدة من المصالح، اقتصاد الحرب، و التدخلات الإقليمية و الدولية. كل هدنة سابقة سقطت سريعًا لأنها كانت بلا رقابة فعلية، و بلا أدوات تجعل من خرقها مكلفًا. أي خطة سلام حقيقية يجب أن تشمل مراقبة صارمة و ربط الالتزام بعقوبات و حوافز، لأن الهدنة بلا ثمن ليست سوى استراحة مؤقتة للمقاتلين.

لكن الحرب مستمرة لأنها ممولة. الذهب و الأسواق الموازية تمثل وقودًا للصراع، ومن دون تجفيف منابع هذه الموارد، ستظل البنادق تعمل. هنا يظهر دور الضغط الدولي و تنسيق الجهود مع المنظمات الإقليمية، لكن حتى هذه الوساطة تواجه الشكوك حول حيادها، خاصة أن منبر التفاوض نفسه صار أداة في صراع النفوذ، حيث يرسل اختيار المكان و الراعي رسائل ضمنية عن من يملك اليد العليا. الحل إذًا ليس إقصاء هذه المنصات، بل إعادة تصميم العملية بحيث تصبح تحت مظلة الأمم المتحدة، و يصبح الحياد ضرورة و الإنحياز مكلفًا.

في جوهر الأزمة، لا يمكن الحديث عن الاستقرار عبر جيش موحد شكلي. المؤسسة العسكرية كانت جزءًا من المشكلة، تشكلت على أسس أيديولوجية و شبكات ولاء ضيقة، ما جعلها أقرب إلى جيش سلطة منه إلى جيش دولة. المطلوب إعادة تأسيس الجيش من الصفر، بشكل مهني و وطني، و فصل القوات عن السياسة و الاقتصاد، مع تفكيك شبكات الولاء و دمج الأفراد المؤهلين فقط ضمن مؤسسات الدولة.

المليشيات المتعددة تشكل تحديًا آخر. يجب تصنيفها، نزع السلاح تدريجيًا، إدماج العناصر الصالحة، تفكيك القيادات الموازية، و ضمان أمن مؤقت بإشراف دولي لتفادي الفراغ الأمني. و كل ذلك يجب أن يتم بالتوازي مع مسار سياسي شامل يجيب عن سؤال كيف يُحكم السودان، عبر نظام فيدرالي يمنح الأقاليم صلاحيات أوسع لإدارة مواردها و سلطتها.

و لا يمكن أن يستديم السلام دون عدالة. مسار للعدالة الانتقالية ضروري لتوثيق الجرائم، محاسبة المسؤولين، و تعويض الضحايا. السودان يحتاج أكثر من وقف حرب، يحتاج منع عودتها.

في النهاية، ليست المشكلة في غياب الخطط، بل في غياب الإرادة الوطنية. و بدونها، ستظل كل التسويات الممكنة مجرد هدنة مؤقتة في حرب قابلة للاشتعال من جديد.