هل آن أوان الإقتلاع؟!

الجميل الفاضل يكتب

تضيقُ بنا الأرضُ أو لا تضيق، لا يهم.

فالمسافاتُ التي قُدّت من جلودنا، والدروبُ التي عُبّدت بأنّاتنا، لا تزالُ تفضي بنا إلى مآلٍ واحدٍ لا حياد عنه: “الاجتثاث”.

سنقطعُ هذا الطريق الوعر حتى نهايته، ولو كانت خُطانا تُدمي علي الصخر، لنقتلعَ واجهاتِ “الإخوان” من جذورها، ونستأصلَ شأفة “الإسلام السياسي” الذي استبدَّ بروح البلاد وجسدها ردحاً من الزمان.

اليوم، تلوحُ في أفق السودان المثقلِ بالدخان إشاراتٌ لا تخطئها عين؛ نذرٌ تقربنا يوماً بعد يوم، من عتبة الفصل الختامي في نبوءة الأستاذ محمود محمد طه التي باتت ترعدُ في واقعنا الآن تعبر عن حتمية التاريخ.

لقد قرع الأستاذ محمود هذه الأجراس باكرا جدا، بلهجة واثقة من نواميس القدر، قائلا: “من الأفضل للشعب السوداني أن يمر بتجربة حكم جماعة الهوس الديني”..

لتبدأ من هنا رحلةُ الآلام.

تغريبةُ “التمكين”، وانكسارُ المرايا.

في تجربةً قاسيةً ومريرة، لكنها تجربة كاشفةٌ عن كل شيء ولحدّ بعيد؛ تجربةٌ أسقطت الأقنعة عن تلك الوجوه الكالحة، وعرّت زيف الشعارات التي تدّثرت بالقداسة لتسرق أحلام البسطاء والمساكين.

ثم مضى الطوفانُ كما رُسم له عبر “التمكين”، فبسط الإخوان سطوتهم على مفاصل الروح والمادة، وغلّوا يد الشعب بالحديد والنار، اغتصبوا السلطة والمال واحتكروا الجاه بحد السلاح.

تجرّع السودانيون من أيديهم كؤوس الأمرّين.. صبراً بطعم العلقم، وفقراً يسكنُ العظام.

لكنّ هذا الجرح السوداني ليس معزولاً تماما عن نزيف الخارطة؛ فما تعيشه الخرطوم اليوم هو صدى لتراجيديا عبثية تتكرر بملامح شائهة في عواصم عربية أخرى، حيث نبتت أكثر من دولةٌ داخل دولتها، كالنبت الشيطاني الذي يمتص دماء جسد الدولة المضيف.

إن حبل التصنيف الإرهابي الذي التف حول عنق “الحركة الإسلامية” في السودان، يجد مرآته العاكسة كذلك في خيبات “حزب الله” في لبنان، و”الحشد الشعبي” في العراق.

إنها ثلاثية الخراب الذي يتشارك ذات الجين الأيديولوجي، وذات المصير المحتوم.

ثلاثيةُ خراب لا يبرز إلا حين يرتدُّ كيد الي نحر كائده، وحين يحيط مكر سيء بأهله، وحين ينقلب سحرُ على ساحره.

فكما أغرق “الإسلام السياسي” السودان في لجة “فتنة الحرب” التي أحالت نهاره الي ليل، والتي هي في طريقها لأن تنتهي باقتتال الإخوة الأعداء أنفسهم فيما بينهم.

نرى “حزب الله” في لبنان يترنح تحت وطأة مأزقٍ وجودي؛ حوله من “مقاومة” مزعومة إلى “حارسٍ” لمنظومة فساد نخرت عظام بيروت، فضلا عن ارتهانه لمشروعٍ إقليمي، زج بلبنان في حربٍ لا ناقة لها فيها ولا جمل، هي حرب يمكن أن توقد نار حرب أهلية أخري، لبنانية لبنانية لا تبقي ولا تذر.

بيد ان نذر هذا المشهدُ من لبنان الي السودان، ربما لا تختلف كثيرا أيضا عن حال بغداد، حيث “الحشد الشعبي” يجسدُ ذروة التغول والانفصام، بعد ان اضحي جيشاً موازياً يمزقُ هيبة الدولة، لصالح عقيدةٍ عابرة للحدود، غارقاً في رمال متحركة وصراع حول الدولة ذاتها كغنيمة.

عموما في السودان: كانت النتيجةُ ثورةً عارمة اعقبها انتحار عسكري، قاد البلاد الي هذه “الفتنة”، فتنة الحرب.

وفي لبنان: انهيارٌ مالي واجتماعي كامل، وعزلةٌ دولية، وشبح تقسيم، ومواجهةٌ عسكرية غير متكافئة ستدمرُ لا محالة ما تبقى من هذا الوطن.

وفي العراق: فوضى السلاح وتآكلُ سيادة الدولة وشرعية السلطة، واقع لابد ان يقود لاصطدامٌ حتمي مع أجيال تنشدُ دولةً مدنية لا مليشياوية.

انها خواتيم الاقتلاع ومواعيد الفجر.

إذ أن ما يجمعُ هذا الثالوث ليس فقط “الهوس الديني” والاستعلاء بالأيديولوجيا، بل هو ذلك المأزق التاريخي الذي يكشفُ أن هذه الجماعات قد تحولت بالفعل إلى “أجسامٍ غريبة” ترفضها أنسجةُ أوطانها.

إنها لحظةُ الحقيقة التي تنبأ بها الأستاذ محمود؛ لحظة تأكل فيها النيرانُ حطبها، حين تصبح الأيديولوجيا قيداً ثقيلاً يكبل أعناق صانعيها.

وهنا.. ونحنُ نقفُ في السودان على حافةِ الهاوية أو ربما على عتبةِ الفجر، لم يبقَ من تلك السلسلة القدرية سوي حلقة أخيرة، تقول: “وسوف يُقتلعون من أرض السودان اقتلاعاً”.

هو اقتلاعٌ لا رجعة فيه، يطهّر التربة من بذور الوهم، ليزهر السودانُ من جديد.

لكن السؤال: هل أزفت ساعةُ هذا الخلاص؟ وهل دنا ميعادُ هذا الاقتلاع الكبير المرتقب، كما أظن؟!