
24 ساعة من الرعب… النيران تنتقل بين بيوت السودانيين كالأشباح
في بلدٍ أنهكته الحرب، لم يعد الخوف يأتي من الرصاص وحده. خلال 24 ساعة فقط، بدا وكأن النيران قررت أن تكتب فصلًا جديدًا من معاناة السودانيين، متنقلةً بين القرى والمشاريع الزراعية ومخيمات النزوح، تاركة خلفها رمادًا وأسئلةً بلا إجابات.
في قرية “البنية” بشمال كردفان، لم يكن الليل عاديًا. فيديوهات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي أظهرت ألسنة لهب تلتهم المنازل واحدًا تلو الآخر، فيما يحاول الأهالي إخمادها بوسائل بدائية، تتخللها تكبيرات وصرخات خوف.
النيران، بحسب روايات السكان، لا تبدأ من مصدر واضح، بل “تقفز” من منزل إلى آخر، وكأنها كائن حيّ يتحرك بإرادة غامضة.
“لم نرَ شيئًا مثل هذا من قبل”، يقول أحد السكان في مقطع مصوّر، بينما تظهر خلفه منازل تحولت إلى هياكل سوداء.
موسم الحصاد… يتحول إلى موسم خسائر
في مشهد آخر، هذه المرة من مشروع الجزيرة، التهمت النيران “حواشة” قمح في ذروة موسم الحصاد.
الفيديو يوثق مزارعين يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه، يضربون النار بالأغصان والتراب، بينما تتقدم ألسنة اللهب بلا رحمة.
المفارقة القاسية أن هذا الموسم كان يُعوّل عليه لتعويض خسائر الحرب، لكنه تحول فجأة إلى خسارة جديدة تضاف إلى سجل مثقل.
نزوح داخل النزوح
الخوف من تكرار الحرائق دفع سكان قرية البنية إلى إخلاء منازلهم، في مشهد يعكس “نزوحًا داخل النزوح”.
أسر تحمل ما خفّ وزنه من متاع، وتغادر نحو المجهول، هربًا من نار لا تُرى بدايتها.
في الوقت ذاته، أطلق الأهالي نداءات استغاثة عاجلة، مطالبين الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية بالتدخل السريع، بعد أن فقدت عشرات الأسر مأواها.
مأساة أخرى في الشمال
في الولاية الشمالية، لم تكن النيران أقل قسوة.
حريق اندلع داخل مخيم “أزهري المبارك” بمنطقة العفاض في محلية الدبة، أدى إلى وفاة طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات، إضافة إلى إصابات بالاختناق والصدمة، خصوصًا بين النساء.
ورغم سيطرة الدفاع المدني على الحريق، إلا أن الحادثة كشفت هشاشة أوضاع النازحين، حيث يمكن لشرارة صغيرة أن تتحول إلى كارثة إنسانية.
حتى اللجوء لم يعد آمنًا
خارج الحدود، تواصلت المأساة. في شرق تشاد، التهمت النيران مخيم “الجبل” للاجئين السودانيين، مخلفة خسائر فادحة.
هنا، لم تعد النيران مجرد حادث عابر، بل امتداد لسلسلة من الأزمات التي تلاحق السودانيين أينما ذهبوا.
حرائق “غامضة”… أم مؤشرات أعمق؟
تتكرر كلمة “غامضة” في كل هذه الحوادث، لكن الغموض لا يمنع طرح الأسئلة
- هل هي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وسوء البنية التحتية؟
- أم حوادث عرضية في بيئة تفتقر لأبسط وسائل السلامة؟
- أم أن هناك عوامل أخرى، أكثر تعقيدًا، مرتبطة بالفوضى التي تعيشها البلاد؟
حتى الآن، لا توجد إجابات حاسمة.
النار كقدر يومي
ما يجمع هذه الوقائع ليس فقط اللهب، بل الإحساس بأن الخطر أصبح يوميًا ومتعدد الأوجه.
من نيران الحرب إلى حرائق القرى والمخيمات، يعيش السودانيون تحت تهديد دائم… لا يعرفون من أين سيأتي الحريق التالي.
