حظر التنزه في وادي حلفا: قرارات أمنية تُشعل جدل “بوليس النظام العام” من جديد

سهام صالح

صحفية سودانية

في أقصى شمال السودان، حيث يلتقي النيل بالصحراء وتتشابك الجغرافيا مع الذاكرة، عادت مدينة وادي حلفا إلى واجهة الجدل، لكن هذه المرة ليس بسبب موقعها الحدودي أو دورها في استقبال النازحين، بل نتيجة قرار أمني أعاد إلى الأذهان سنوات من القيود الاجتماعية.

مشهد العيد.. ثم الحظر

خلال أول أيام عيد الفطر، تحولت منطقة “البحيرة” الواقعة شرق المدينة إلى ساحة احتفال مفتوحة. مئات المواطنين، بينهم عائلات وشباب، توافدوا إلى المكان الذي يُعد متنفسًا طبيعيًا لسكان المدينة، في مشهد نادر لمدينة لم تعتد هذا الزخم.

لكن هذه الصور التي انتشرت سريعًا على منصات التواصل الاجتماعي، كانت كفيلة بإثارة رد فعل معاكس.

ففي مساء الأحد 22 مارس 2026، فرضت القوات الأمنية طوقًا على المنطقة، وقررت منع التنزه والتواجد فيها بعد الساعة السادسة مساءً، بحسب ما أفاد به سكان محليون.

قرار أمني أم استجابة لضغط اجتماعي؟

يقول سكان إن القرار جاء عقب “تصاعد الشكاوى” على وسائل التواصل، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الفضاء الرقمي وصناعة القرار الأمني في المدن الصغيرة.

في المقابل، يرى ناشطون أن ما جرى يتجاوز كونه إجراءً تنظيميًا، ويعكس عودة تدريجية لنهج “الضبط الاجتماعي” الذي ارتبط سابقًا بما عُرف بـشرطة النظام العام، والتي أُلغيت بعد سقوط نظام عمر البشير.

مدينة صغيرة.. تحت ضغط كبير

لفهم حساسية القرار، لا بد من النظر إلى التحولات التي شهدتها وادي حلفا منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023.

المدينة، التي لم يكن عدد سكانها يتجاوز 7 آلاف نسمة، استقبلت نحو 20 ألف شخص بين نازح وعابر نحو مصر، ما أحدث ضغطًا غير مسبوق على بنيتها التحتية وخدماتها.

في ذروة النزوح، كانت تصل إلى المدينة يوميًا أعداد تتراوح بين 1200 و1500 شخص، كثير منهم اضطر للبقاء بعد تعثر إجراءات العبور إلى مصر.

هذا التحول السريع غير ملامح المدينة

  • ازدهار نسبي في الأنشطة التجارية
  • ضغط متزايد على المياه والكهرباء
  • توسع عمراني غير مخطط
  • تغير في أنماط الحياة الاجتماعية
  • الأمن مقابل الحريات

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فرضت السلطات قيودًا على الحركة في عدة مدن، شملت حظر التجوال الليلي، مبررة ذلك بالحفاظ على الأمن.

غير أن هذه الإجراءات تواجه انتقادات متزايدة من مدافعين عن الحقوق، يرون أنها تتوسع تدريجيًا لتشمل تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك أماكن الترفيه والتجمع.

“البحيرة”.. أكثر من مجرد متنزه

ليست “البحيرة” مجرد موقع جغرافي، بل تمثل واحدة من المساحات القليلة المفتوحة لسكان وادي حلفا، خاصة في ظل طبيعتها الصحراوية وقلة المساحات الخضراء.

ومع ارتفاع درجات الحرارة معظم العام، تصبح هذه المناطق القريبة من النيل ملاذًا اجتماعيًا، خصوصًا خلال الأعياد والمناسبات.

مدينة على حافة التاريخ

تقع وادي حلفا على الضفة الشرقية لبحيرة النوبة، وتاريخها مرتبط بطريق الملاحة القديم القادم من أسوان، كما تضم آثارًا تعود للحضارات النوبية القديمة مثل بوهن وميرجيسا.

لكن التحول الأكبر في تاريخها جاء مع بناء بناء السد العالي، الذي أدى إلى غمر أجزاء واسعة منها، وتهجير سكانها، لتبدأ المدينة رحلة جديدة مع الذاكرة والفقد.

بين الأمس واليوم

اليوم، تبدو وادي حلفا مدينة تقف عند تقاطع طرق “بين دورها كمعبر حدودي ومأوى للنازحين، وبين محاولاتها للحفاظ على نمط حياتها المحلي، وبين ضرورات الأمن ومطالب الحريات”.

قرار حظر التنزه في “البحيرة” قد يبدو تفصيلاً صغيرًا في سياق الحرب، لكنه يكشف عن سؤال أكبر: هل تعود القيود الاجتماعية القديمة في ثوب أمني جديد؟

في مدينة اعتادت الصمت، يبدو أن الجدل بدأ يتصاعد—هذه المرة من ضفاف النيل.