“أيام مع وردي”: حين يغني السودان تاريخه… هل ينقذ الفن ما تبقى من جغرافيا؟

المحرر الثقافي، محمد إسماعيل ـ في القاهرة، وعلى خشبة “أتيليه القاهرة”، لم يكن تدشين كتاب “أيام مع وردي” حدثًا عابرًا في روزنامة الفعاليات الثقافية، بل بدا كأنه استدعاء جماعي لذاكرةٍ سودانيةٍ ممتدة، تتقاطع فيها الموسيقى مع السياسة، والتجربة الشخصية مع التحولات الكبرى في البلاد.

الكتاب، الذي ألفه الموسيقار أنس العاقب، يذهب أبعد من مجرد توثيق سيرة فنية؛ إنه محاولة لفهم كيف شكل وردي وجدان أمة، وكيف يمكن لتجربته أن تضيء أسئلة المستقبل في زمنٍ مضطرب.الموسيقار كمال يوسف

وردي… من صوتٍ إلى “حالة” ثقافية

لم يكن محمد وردي فنانًا تقليديًا. فمنذ إجازة صوته في إذاعة أم درمان عام 1957، بدأ مشروعًا غنائيًا سرعان ما تجاوز حدود الطرب إلى فضاء التأثير الثقافي والسياسي.

يرى الموسيقار د. كمال يوسف أن وردي “حفر بصوته عميقًا في ذاكرة المستمع السوداني”، ليس فقط عبر الأغنية العاطفية، بل عبر مشروع وطني حمل قضايا السودان وتحولاته. وقد بلغ هذا المشروع ذروته في أعمال طويلة ومعقدة موسيقيًا مثل “جميلة ومستحيلة” و“الحزن القديم”، حيث اختبر وردي حدود السلم الخماسي ووسعها.الناقد المصري أسامة عربي

أما الناقد د.أسامة عرابي فيصف تجربة وردي بأنها “حوارٌ حيّ بين الكلمة واللحن والآلة”، مؤكداً أن إدخاله للآلات الحديثة لم يكن مجرد تطوير تقني، بل إعادة صياغة للهوية الموسيقية السودانية.

من السجن إلى الخلود: أغنية كوثيقة سياسية

أحد أكثر محاور الكتاب إثارة هو تحليله لأغنية “قلت أرحل”، التي كتبها التجاني سعيد ولحنها وردي داخل السجن عقب فشل انقلاب يوليو 1971 في السودان.

الموسيقار الفاتح حسينيؤكد د.الفاتح حسين أن هذه الأغنية مثلت “نهاية أفق السلم الخماسي في شكله التقليدي”، إذ دفعت به إلى تخوم جديدة من التعبير، حيث تداخل السياسي بالجمالي، وتحولت الأغنية إلى بيانٍ فني.

“بناديها” و”الود”… الغناء كهوية وانتماء

لا يكتفي الكتاب بالسياسي، بل يعود إلى جوهر التجربة الإنسانية في أعمال مثل “بناديها” للشاعر العمر الطيب الدوش، حيث يتجلى الحب بوصفه انتماءً، لا مجرد عاطفة.

أما أغنية “الود”، التي أُعيد توزيعها في مصر، فتقدم نموذجًا للتفاعل الثقافي العابر للحدود، وتؤكد قدرة الأغنية السودانية على التجدد دون فقدان جذورها.

أنس العاقب… سيرة موازية

لا يخفي الكتاب أن مؤلفه أنس العاقب يكتب أيضًا عن نفسه. فمن بربر إلى كسلا، ثم بورتسودان، وصولًا إلى معهد الموسيقى والمسرح، تتشكل ملامح مشروعٍ فكري يسعى لتوثيق الموسيقى السودانية وتحليلها علميًا.

ويشير الشاعر محمد نجيب محمد علي إلى أن الكتاب “سيرة مزدوجة” لوردي والعاقب، فيما ترى الشاعرة منى الرشيد أنه “نسيج من الذاكرة” يعيد بناء التجربة في قالب متكامل.

الغناء السوداني… إلى أين؟

السؤال الذي يطرحه الكتاب، وربما الأمسية بأكملها، هو: ماذا بعد وردي؟

في زمن تتعرض فيه البنية الثقافية السودانية لاختبارات قاسية، تبدو تجربة وردي مرجعًا مفتوحًا. فقد جمع بين التراث النوبي، والتجريب الموسيقي، والانخراط السياسي، في معادلة نادرة.

السفير خالد فرح يلخص الأمر بقوله: “وردي شكل وجداننا كسودانيين”، وهي عبارة تختزل حجم التأثير الذي يجعل من استعادته اليوم ضرورة، لا ترفًا ثقافيًا.

ذاكرة تُقاوم النسيانكتاب أيام مع وردي

في ختام الأمسية، قال أنس العاقب إن هذا الكتاب ما كان ليصدر لولا “سند الأصدقاء والإيمان بالتجربة”. وربما في هذه العبارة ما يلخص جوهر “أيام مع وردي”: محاولة لإنقاذ الذاكرة من التلاشي، وإعادة طرحها كسؤالٍ مفتوح حول المستقبل.

ففي بلدٍ تتنازعه الأزمات، قد يكون الفن—كما يقدمه وردي—أحد آخر أشكال المقاومة.