السودان في ظل حرب إيران: إعادة تشكيل الصراع الداخلي
د. أماني الطويل
مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبيرة فى الشئون الأفريقية
لم يعد من الممكن النظر إلى الحرب السودانية بوصفها صراعاً داخلياً محضاً، أو حتى امتداداً تقليدياً لأزمات الدولة الوطنية في أفريقيا، بل باتت هذه الحرب وما ترتبط به من تفاعلات بين أطراف العملية السياسية تتشكل على نحو متزايد داخل سياق إقليمي ودولي أكثر تعقيداً، تمثل فيه المواجهة مع إيران أحد أهم محدداته الضاغطة.
فالتصعيد العسكري ضد طهران لم يُعِد فقط ترتيب أولويات القوى الكبرى في الشرق الأوسط، بل أعاد أيضاً تعريف خرائط الصراع في الأطراف، وعلى رأسها السودان، الذي تحول من ساحة هامشية إلى عقدة تقاطع بين أمن البحر الأحمر، وشبكات الإسلام السياسي، واستراتيجيات الاحتواء الدولية. وفي هذا الإطار، فإن فهم ديناميات وقف الحرب السودانية لم يعد ممكناً دون استحضار هذا المتغير الجديد، الذي يفرض نفسه ليس فقط على مسارات التسوية، بل على طبيعة الفاعلين أنفسهم، وعلى شرعيتهم، وعلى حدود إدماجهم في أي ترتيبات سياسية قادمة.
تاريخياً، لم تكن العلاقة بين السودان وإيران عابرة أو ظرفية، بل تأسست على تقاطعات أيديولوجية واستراتيجية عميقة منذ صعود الإسلاميين إلى السلطة في عام 1989، حيث شكلت الثورة الإيرانية ما يمكن تسميته بـ””النموذج المُلهِم” للنخبة الإسلامية السودانية، وفتحت العقوبات الدولية على السودان المجال أمام تعاون أمني وعسكري امتد لعقود، شمل التدريب وبناء القدرات وتطوير الصناعات العسكرية. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، وجدت التيارات الإسلامية فرصة لإعادة التموضع داخل المؤسسة العسكرية، مستفيدة من انهيار الانتقال السياسي، ومن الحاجة المتزايدة إلى تعبئة الموارد البشرية في مواجهة قوات الدعم السريع، وهو الأمر الذي يفسر تقاطع الحرب السودانية مع الحرب على إيران، ليس فقط من حيث التشابه الأيديولوجي، بل من حيث شبكات المصالح والارتباطات العابرة للحدود.
ومع اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران في عام 2026، دخل السودان مرحلة جديدة من إعادة التموضع داخل الخريطة الاستراتيجية الإقليمية، حيث لم تعد الحرب السودانية مجرد ساحة صراع داخلي، بل أصبحت جزءاً من الهامش النشط للصراع الأوسع، الذي تسعى فيه القوى الدولية إلى احتواء النفوذ الإيراني خارج نطاقه المباشر. وقد انعكس ذلك في تزايد الاهتمام الدولي بأمن البحر الأحمر، وفي إعادة تقييم موقع السودان كحلقة وصل بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط، وفي تصاعد القلق من إمكانية تحوله إلى منصة خلفية لشبكات مرتبطة بطهران. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب السودانية يتم قراءتها في إطار الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع فقط، بل من زاوية أوسع تتعلق بإعادة تعريف الفاعلين، وبمدى ارتباطهم بمحاور إقليمية متصارعة، وبقدرتهم على الاندماج في نظام دولي بات أكثر حساسية تجاه الإسلام السياسي العابر للحدود.
وقد مثّل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كتنظيم إرهابي نقطة تحول فارقة في هذا المسار، إذ لم يقتصر أثره على تقليص المجال السياسي أمام هذه الجماعة، بل امتد ليعيد صياغة قواعد اللعبة بالكامل، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو في إطار التفاعلات الدولية مع الأزمة السودانية. فهذا التصنيف يعكس تحولاً في الإدراك الدولي لطبيعة الصراع، من كونه نزاعاً على السلطة إلى كونه ساحة محتملة لتمدد شبكات أيديولوجية مرتبطة بإيران، وهو ما يفرض قيوداً صارمة على إمكانية إدماج هذه القوى في أي تسوية سياسية. وفي الوقت ذاته، يخلق هذا الوضع، وفقاً لرؤية البعض، معضلة، إذ أن استبعاد الإسلاميين، رغم ما قد يحمله من مكاسب، إلا أنه قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع السوداني الداخلي، نظراً لعمق تغلغلهم في بنية الدولة السودانية والمجتمع، ولقدرتهم على إعادة إنتاج أنفسهم في أشكال تنظيمية وعسكرية جديدة.
في هذا السياق، لم يعد حضور الإسلاميين في الحرب السودانية هامشياً، بل أصبح أكثر وضوحاً، حيث تسعى هذه القوى إلى استعادة دورها السياسي والعسكري مستفيدة من حالة السيولة التي فرضتها الحرب، لكن هذا الحضور لم يعد يتم النظر اليه في سياق داخلي فقط، بل أصبح مرتبطاً، في نظر العديد من الفاعلين الدوليين، بشبكات أوسع قد تمتد إلى إيران، وهو ما يضاعف من حساسية التعامل معه، ويضعه في قلب معادلة الأمن الإقليمي، وليس فقط في إطار التوازنات السودانية.
وتشير بعض التقديرات الدولية إلى أن السودان بات يُستخدم كساحة اختبار لتداعيات الحرب على إيران، حيث تتقاطع فيه استراتيجيات الاحتواء مع متطلبات الاستقرار، في ظل إدراك متزايد بأن ترك هذا الصراع دون ضبط قد يفتح المجال أمام إعادة تشكل شبكات النفوذ الإيراني في منطقة البحر الأحمر. ومن ثم، فإن أي مسار لوقف الحرب بات مشروطاً ضمنياً أو صراحة بإعادة هيكلة الفاعلين، وبضمان عدم تمكين القوى المصنفة إرهابية من لعب دور في المستقبل السياسي للبلاد. غير أن هذا التوجه يعكس أيضاً تحولاً في أولويات القوى الدولية، التي باتت تميل، في الغالب، إلى دعم صيغ من الاستقرار الوظيفي، حتى وإن جاءت على حساب التحول الديمقراطي، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل القوى المدنية السودانية، وطبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن ينبثق عن هذه الترتيبات.
في هذا السياق، لابد من الإشارة إلى وجود مخاوف بتزايد احتمالات تدويل الصراع، بما يُحوِّل السودان إلى ساحة مواجهة بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية. وهنا، ينظر إلى الحرب على إيران باعتبارها عاملاً مُسرِّعاً لهذه الديناميات، وليس مجرد متغير خارجي، وهو ما يضع الاتحاد الأفريقي ودول الجوار أمام تحديات غير مسبوقة تتعلق بكيفية احتواء الأزمة دون الانزلاق إلى صراعات أوسع.
سيناريوهات متعددة
في ضوء هذه المعطيات، تتعدد السيناريوهات المحتملة لوقف الحرب السودانية، لكنها جميعاً تبقى مشروطة بتطورات الحرب على إيران، وبكيفية إدارة التنافس الإقليمي والدولي. السيناريو الأول، يتمثل في تسوية مشروطة تستبعد الفصائل الإسلامية المصنفة إرهابية، لكنه يواجه مخاطر الاستدامة في ظل احتمالات التمرد وإعادة إنتاج العنف. والسيناريو الثاني، ينصرف إلى تعميق الحرب بالوكالة، حيث يتحول السودان إلى ساحة صراع غير مباشر بين محور مناهض لإيران وشبكات مرتبطة بها، والإسلاميين السودانيين المتعاطفين معها، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات التسوية. أما السيناريو الثالث، فيرتبط بإمكانية التوصل إلى صفقة إقليمية أوسع تخفف من حدة التوتر مع إيران، بما ينعكس إيجاباً على السودان، لكنه يظل رهيناً بتطورات يصعب التنبؤ بها في المدى القريب.
وفي قلب هذه التفاعلات، تبرز دلالات استراتيجية مهمة بالنسبة لكل من مصر والمملكة العربية السعودية، اللتين تواجهان تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضرورة الحفاظ على استقرار السودان ومنع انهياره، وفي الوقت ذاته الحيلولة دون تحوله إلى منصة نفوذ لقوى إقليمية أخرى، خاصة في ظل الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر في معادلات الأمن القومي العربي. ومن ثم، فإن كلاً من القاهرة والرياض مطالبتان بتبني مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين دعم الدولة الوطنية السودانية، والعمل على احتواء الفاعلين الأيديولوجيين، وتعزيز الأطر الإقليمية للتسوية، بما يضمن تقليص فرص حروب الوكالة علي الأراضي السودانية، والحفاظ على توازنات الإقليم.
في النهاية، تكشف الحرب على إيران عن حقيقة تتجاوز الحالة السودانية، مفادها أن الصراعات المحلية لم تعد قابلة للفصل عن السياقات الإقليمية والدولية، وأن مسارات السلام لم تعد تصاغ فقط داخل حدود الدولة، بل في ضوء توازنات أوسع تعيد تعريف مفهوم السيادة ذاته. وفي هذا الإطار، فإن مستقبل السودان سيظل مرهوناً ليس فقط بقدرة أطرافه على التوصل إلى تسوية، بل بمدى نجاح القوى الإقليمية والدولية في إدارة تناقضاتها، وفي منع انزلاق هذا البلد إلى موقع متقدم في صراع لا يملك أدوات التحكم في مساراته. ومن ثم، فإن السؤال لم يعد فقط كيف تتوقف الحرب في السودان، بل كيف يمكن إعادة إدماجه في نظام إقليمي يتشكل على وقع صراع يمتد من إيران إلى البحر الأحمر، ويعيد رسم خرائط النفوذ والشرعية في آنٍ واحد.
