حين يُقتلُ العيدُ عمدا في الضعين؟!

الجميل الفاضل يكتب:
كلما يأتي ذِكرُ “الضعين” لا أعرف كيف أبدأُ، ولا كيف أُنهي، لكن أفضل ما أُمرّن به قلبي على الكلام عنها، هو أن أتغنّى بإسمها ثَمِلاً، كلما لعنها أو قصفها الأعداء. في أول أيام عيد الفطر، داخلَ مستشفى الضعينِ التعليميِّ، كان هناك ثلاثةَ عشرَ قلباً صغيراً ينبض بالحياة.
صبيٌّ بعينينِ تشبهانِ بحيرةً أغرقها المطر. يرفعُ يدهُ النحيلةَ نحوَ أمِّهِ، يسألُها بصوت خفيض يشبه الهمسٍ:
«لو أني مت اليوم، هل سيأتي عيد بعدي وفي غيابي، توزعون فيه الكعك والحلوي كذلك؟»
تُمسحُ الأمُّ دمعةً باغتتها بسرعة، لتُقبّلُ جبينَهُ المبلَّلَ بالعرقِ والحمّى
وتُجيبُ وهي تكتمُ انهياراً يمزّقُها من الداخلْ:
«نعم سياتي عيد جديد، ساحمل لك فيه هدية أجمل، لانك ستكون اكبر وستلعب في الشارع مع اقرانك»
في هذا الفضاء المر كانت الممرضتان، فاطمةُ ومريمُ، تجوبان المكان كأنهما حمامتانِ بيضاوانِ، فاطمةُ تُقسّمُ قطعةَ كعكٍ صغيرةً على ثلاثةِ أطفالٍ، تقولُ بصوتٍ يحملُ دفءَ أمومةٍ مُعارةْ:
«كلوا يا صغاري، فالعيد لا يصغي لإمعاء خاوية»
الممرضة الأخري مريمُ تدس شيئا تحتَ وسادةِ طفلةٍ لا زالت تغمضُ عينيها من الألمْ، تهمسُ لها كأنَّها تُودّعُ سرّاً:
«هذا تاج من نور لا من بلاستيك يا صغيرتي»
هنا طبيبُ تحملُ عينيهِ سهد الليالي التي لم ينمْ فيها، يضعُ سمّاعتهُ على صدرِ طفلٍ يئنُّ ويهمسُ لهُ كأنَّهُ يُبرمُ معه عهداً: «اصبرْ يا عزيزي،
أنا علي وعدي بأن هذا العيد سيكون بدايتك مع حياة جميلة»
ثمَّ فجأة حبس الجميع أنفاسهم علي صوت هديرٌ، يقول ان الموتَ قد قرّرَ أن يحتفلَ بعيدهِ الخاصّْ في عين هذا المكان.
في يومٍ كان يُفترضُ أن يكونَ يومَ فرح وسعادة ورحمةْ.
أتت قذيفةٌ أولي مزّقت قسمَ الطوارئْ، وأخرى سقطت فوقَ رؤوسِ ثلاثةَ عشرَ طفلاً.
وثالثةٌ حوّلت جناحَ الولادةِ إلى نارٍ، تبتلع الأجنة والأحلامَ قبلَ أن تولدْ، كأنَّ الزمنَ نفسهُ انشقَّ إلى نصفين، قبلٍ وبعدْ هذه اللحظة.
هنا أمٌّ تحفرُ بأظافرها تحتَ أرضية العنبر الخرسانية تنادي ابنها حتى بُحَ صوتُها.
فاطمةُ تسقطُ فوقَ طفلٍ لتحميهِ بجسدها قبل أن يختلطُ دمها بدمِهِ.
مريمُ تُمسكُ يدَ طفلةٍ وهي تُسحَقْ، عيناها لا تزالانِ تبحثانِ عن ابتسامةٍ تبددت ضائعة.
الطبيبُ يمدُّ يديهِ نحوَ طفلٍ محترقٍ يحاولُ أن يُنقذَ وعدًا واحداً، لكنَّ ناراً أخرى تُسكتهُ هو نفسه وإلى الأبدْ.
أربعةٌ وستونَ قلباً توقّفتْ في لحظةْ واحدة، ثلاثةَ عشرَ منها كانتْ لاطفال لا تتجاوزُ أعمارهم السابعةْ.
فيما كان تسعةٌ وثمانونَ قلباً آخرَ يئنّونَ تحتَ الركامْ يبحثونَ عن أمٍّ، عن أبٍ، عن يدٍ تمسكُ بهمْ قبلَ أن يغرقوا في هذا الظلامِ الذي كان اسمهُ «عيد» قبل ان يموت هو نفسه، في عيونِ أطفالٍ يتسألَون: «هل سيأتي مرة أخري مثل هذا العيد؟»
هو عيد ماتَ حتما في صدرِ أمٍّ دفنتْ ابنَها قبلَ أن يكمل مضغ وابتلاع قطعة حلوي كانت بفمه.
هذا العيد الذي ماتَ بين يدَيْ ممرضتَينِ كانتا تُوزّعانِ الحلوى لا الرصاصْ.
كان قد ماتَ ايضا في قلبِ طبيبٍ حاول أن يضخ الأمل في مرضاه الي آخر ثانية.
تُري هل ترجم سلاح جو الإخوان المسلمين اليوم حرفيا، نصح رمز كبير منهم، كان قد قال في وقت سابق؟:
“أبيدوا أهل الضعين عن بكرة أبيهم، لا تدعوا منهم كبيراً ولا صغيراً، شيخاً أو أمرأة أو طفلاً”.
ثم هل بضربهم مستشفي الضعين يوم هذا العيد، إستبعد الإخوان عمليا خيارا كانوا يظنونه هينا، قال به أحد منظريهم الشباب؟: “الغوا نظارتهم، أنزعوا أراضيهم، أفقروا تجارهم، جففوا مواردهم، ألغوا دوائرهم الانتخابية، أحرموهم من كافة حقوقهم الإنسانية الأساسية: السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
قال بذلك الإخواني “هشام” الذي يقال انه مدخر لديهم للمستقبل، مشيرا الي ما معناه: “قلصوا نفوذهم كي يصبحوا أصغر من الآخرين، عاقبوهم بأقصي ما يمكن حتي لا تقوم لهم قائمة، أكسروا شوكتهم في كل مجال ومكان، وإلا فارموهم كالقمامة خارج الحدود”.