«مجزرة العيد» في السودان: دماء المدنيين تصبغ التكبيرات وتكشف تصعيداً مرعباً

في عيدٍ يُفترض أن يكون مساحةً للطمأنينة واللقاءات العائلية، تحولت مدن سودانية إلى مسارح مفتوحة للموت. لم تكن التكبيرات وحدها ما يعلو في السماء، بل أيضاً أزيز الطائرات المسيرة ودوي الانفجارات، في مشهد يلخص كيف تغيرت ملامح الحياة منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

«مجزرة العيد»… حين يُنتهك الزمن المقدس

بحسب مرصد «مشاد» الحقوقي، قُتل 511 شخصاً خلال أيام عيد الفطر، بينهم 18 طفلاً وعدد من كبار السن، في هجمات طالت ولايات دارفور وكردفان والنيل الأبيض والشمالية.

الأرقام هنا ليست مجرد إحصاء؛ بل سردية موجعة عن عيدٍ فقد معناه.

يصف المرصد ما جرى بـ«مجزرة العيد»، في إشارة إلى رمزية التوقيت، حيث يُفترض أن يكون العيد هدنةً إنسانية غير معلنة. لكن ما حدث، وفق توصيف حقوقي، هو انتهاك مزدوج: للإنسان، ولحرمة الزمن.

الهجمات، التي نُفّذ بعضها باستخدام طائرات مسيرة، خلفت دماراً واسعاً في البنية التحتية، ووسعت رقعة الخوف والنزوح، في بلدٍ يعاني أصلاً واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

المستشفيات… من ملاذ آمن إلى هدف مباشر

في شرق دارفور، لم يكن مستشفى الضعين التعليمي بعيداً عن دائرة النار.

هجومٌ واحد فقط كان كفيلاً بإخراجه عن الخدمة، بعد مقتل 64 شخصاً على الأقل، بينهم 13 طفلاً وكوادر طبية، وإصابة العشرات.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذا الهجوم ليس استثناءً، بل جزء من نمط متكرر: أكثر من 213 هجوماً على مرافق صحية منذ بداية الحرب، خلفت 2036 قتيلاً ومئات الجرحى.

مدير المنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، حذّر من أن استهداف القطاع الصحي لا يعني فقط خسائر فورية، بل يدمر على المدى الطويل قدرة المجتمعات على البقاء.

حرب الروايات… من المسؤول؟

كالعادة، تتقاطع الدماء مع الروايات المتناقضة.

قوات «الدعم السريع» تتهم الجيش بقصف المستشفى عبر طائرة مسيرة، بينما ينفي الجيش ذلك، متهماً «الدعم» باستهداف منشآت مدنية.

في المقابل، ذهبت قوى مدنية، بينها تحالف «صمود»، إلى تحميل الجيش المسؤولية، مطالبةً بتحقيق مستقل.

أما أحزاب سياسية مثل حزب الأمة القومي والمؤتمر السوداني، فوصفت الهجوم بأنه «جريمة حرب» و«جريمة ضد الإنسانية».

المجتمع الدولي… دعوات متكررة واستجابة محدودة

النداءات تتكرر: “الاتحاد الإفريقي، الإيغاد، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والمحكمة الجنائية الدولية… جميعها طُلب منها التدخل”.

لكن على الأرض، لا يزال المدنيون يواجهون مصيرهم وحدهم.

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عبر عن «صدمته»، مؤكداً أن استهداف المرافق الطبية انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني.

غير أن هذه الإدانات، كما يرى كثيرون، لم تترجم بعد إلى إجراءات توقف النزيف.

اقتصاد على حافة الانهيار

بعيداً عن صوت الرصاص، تدور معركة أخرى في صمت: الاقتصاد.

التجمع الاتحادي حذّر من أن تشديد إجراءات تحصيل التمويل المتعثر من قبل بنك السودان المركزي قد يدفع القطاع الخاص إلى الانهيار.

ففي ظل حرب دمرت الأصول الإنتاجية وأوقفت المصانع، تبدو المطالبة بالسداد الفوري كأنها ضغط إضافي على اقتصادٍ منهك.

ورغم إعلان البنك رفع سقوف التمويل لقطاعات مختلفة، يرى اقتصاديون أن فعالية هذه الخطوة مرهونة بمرونة السياسات، مثل إعادة جدولة الديون ومنح فترات سماح.

السودان… عيد بلا ملامح

في بلدٍ تتقاطع فيه المآسي، لم يعد العيد مناسبة للفرح بقدر ما أصبح مرآة للحرب.

511 قتيلاً خلال أيام قليلة ليس رقماً عابراً، بل مؤشر على تصاعد خطير في استهداف المدنيين، وعلى حربٍ لم تعد تفرق بين جبهة قتال وبيتٍ آمن، أو بين يوم عادي ويوم عيد.

وبينما تستمر المعارك، يبقى السؤال معلقاً: كم عيداً آخر يحتاجه السودانيون قبل أن يتوقف هذا النزيف؟