بين طهران وتل أبيب .. ارتباك الوجدان العربي في زمن الحروب
د. أحمد خضر يكتب …
بين طهران وتل أبيب، لا تدور المعركة على الأرض وحدها… بل داخل الوعي العربي نفسه، ما نراه اليوم ليس مجرد ارتباك عابر، بل انهيار متدرج في القدرة على تحديد الموقف، وفقدان المعايير الأخلاقية والسياسية الثابتة.
الحروب في المنطقة لم تعد صراعًا بين دول أو جيوش فحسب، بل اختبارًا لمصداقية الشعوب ونخبها، وقياسًا لقدرتها على الفصل بين الحقائق والمصالح، بين العدالة والمصالح اللحظية. وهشاشة الفخار العربي هنا ليست استعارة، بل واقع ملموس في كل زاوية من العالم العربي.
أمثلة حية تكشف هشاشة الموقف العربي:
• مصر: المزاج العام يغرق في جدلية الصراع التاريخي مع الكيان الصهيوني، بينما البعض يمارس غزل الإسلام الشعبوي، ما أنتج تذبذبًا مستمرًا في الموقف بين الوطنية التاريخية والاصطفافات اللحظية. الخطابات الرسمية تتأرجح، والإعلام غالبًا يعكس تناقضات الرأي العام بدلًا من تثبيت الموقف.
• سوريا: بالرغم من اعتلاء قيادة إسلامية، فإن المزاج العام يردد المثل السوري: “فخار يكسر بعضه”. هشاشة الموقف السوري تتجلى في التردد بين الولاء الداخلي والخارج، بين الاصطفافات الطائفية وجراحات الثورة السورية من ادوار الخارج .
• السودان: تلتقي الأيديولوجيا برصيد العلاقة التاريخية بين نظام الملالي والحركة الإسلامية السودانية، فبرزت أصوات إسلامية تدعم إيران، حتى في ضرب الخليج، رغم أن الرأي الشعبي يميل للتعاطف مع دول الخليج. في المقابل تبرز أصوات لا تمانع في التبرير والتعاطف مع العدو الاسرائيلي وحليفته امريكا رد فعل لدور ايران في إذكاء حرب السودان ودعم كوادر الحركة الإسلامية سياسيا وعسكريا .
في هذا السياق، لم تعد القضايا الكبرى، مثل فلسطين، معيارًا ثابتًا للإجماع العربي، بل أصبحت ورقة للتوظيف في صراعات إقليمية، وتتحول المواقف من قيمية إلى انتقائية، وفق مصالح آنية أو خصومة طائفية.
الأمر لا يتعلق بإيران وحدها، ولا بإسرائيل وحدها، بل بطريقة التفكير التي تسمح بتبرير التناقضات السياسية والأيديولوجية. فالعداء الانتقائي والمواقف المرهونة بالهوى السياسي أو الطائفي هي التي أنتجت هذا الارتباك المزمن الذي نشهده اليوم.
لقد أنتجت السنوات الأخيرة خطابًا عربياً منقسماً على نفسه: شعارات كبرى تتراجع عند أول اختبار حقيقي، ومواقف تتغير بحسب مصالح الأيديولوجيات أو القوى الإقليمية. وهذا الانقسام لم يعد نخبوياً فحسب، بل تسلل إلى الوعي الشعبي، فأصبح طبيعيًا ومبرراً، ويُعاد إنتاجه مع كل أزمة جديدة.
في النهاية، ليس السؤال فقط عن من يدعم أو يعارض إيران، أو من يواجه إسرائيل، بل عن قدرتنا على الحفاظ على موقف عربي ثابت يستند إلى المبادئ لا إلى المزاج السياسي. حين يكسر الفخار بعضه، يبقى السؤال: من سيحمي الهيكل كله من الانهيار؟
