“ناس الجزيرة تربية شيوعيين”: من خطاب عمر البشير إلى مليشيات الجهة… كيف صُنِع الانقسام وانفجرت الحرب”

د. أحمد خضر يكتب ..
لم تبدأ الحرب في السودان حين دوّت أول رصاصة، بل حين تغيّرت لغة السياسة نفسها. يومها، لم تعد الكلمات وسيلة لشرح الواقع، بل أداة لإعادة تقسيمه. وحين قال عمر البشير عبارته الشهيرة: “ناس الجزيرة تربية شيوعيين”، لم يكن يمزح، بل كان يؤسس—بوعي أو بدونه—لمنطق سياسي خطير: تصنيف المجتمع، لا تمثيله؛ فرزه، لا توحيده.

من هنا، لم يكن الانقسام حادثًا طارئًا، بل نتيجة مسار طويل استخدم فيه السياسيون الخطاب كمدخل، ثم أتبعوه بالسياسات. فالكلمة التي تبدأ بالتوصيف، تنتهي بالتبرير. وحين يُوصَف جزء من المجتمع كـ“آخر”، يصبح تهميشه—بل واستهدافه—أمرًا قابلاً للتسويق.

لكن الخطاب لم يبقَ في حدوده الرمزية. سرعان ما تُرجم إلى بنية مادية أكثر خطورة: الاستقطاب الجهوي المدعوم بالسلاح. فبدلاً من بناء دولة تحتكر العنف المشروع، جرى تفكيك هذا الاحتكار تدريجيًا، عبر رعاية قوى موازية، مليشيات مرتبطة بالجهة والانتماء، تُستخدم عند الحاجة، وتُترك لتتمدد عند الغياب.

هكذا، لم يعد الاستقطاب مجرد انقسام في الرأي، بل أصبح نظام حكم. تُسلَّح فيه الهويات، ويُعاد تعريف النفوذ على أساس الجغرافيا والانتماء، لا على أساس المواطنة. ومع كل أزمة، كان اللجوء إلى المليشيات أسهل من اللجوء إلى السياسة، وأسرع من بناء المؤسسات.

ومع اندلاع الحرب، لم ينفجر فقط صراع عسكري، بل انهار التوازن الهش الذي كان يُخفي هذا الواقع. تعددت مراكز القوة، وتداخلت الولاءات، وتحول المجتمع إلى شبكة من الاصطفافات الجهوية. لم يعد السؤال: من يحكم؟ بل: من ينتمي إلى من؟

في هذا المناخ، تغيّرت وظيفة الهوية. لم تعد إطارًا ثقافيًا أو اجتماعيًا، بل أصبحت أداة بقاء. كل جماعة تبحث عن حماية داخل حدودها، وكل منطقة تنكمش على نفسها، في ظل غياب دولة قادرة على فرض القانون أو توفير الأمان. وهنا، يتحول الخوف إلى محرك أساسي للعلاقات بين الناس.

الحرب لم تخلق هذا الواقع، لكنها أزالـت الغطاء عنه. ما كان يُقال تلميحًا، أصبح يُمارس صراحة. وما كان انقسامًا سياسيًا، تحوّل إلى قطيعة اجتماعية. ومع تصاعد خطاب الكراهية الجهوي والقبلي، لم يعد الانتماء مجرد هوية، بل صار تهمة محتملة.

الأخطر أن المليشيات لم تكن مجرد أدوات في الحرب، بل فاعلًا في إعادة تشكيل المجتمع. فقد أعادت رسم الخرائط السكانية بالقوة، وخلقت حدودًا غير مرئية بين الناس، وقوّضت ما تبقى من الثقة المشتركة. لم تعد الدولة فقط غائبة، بل أصبح المجتمع نفسه هشًا، مهددًا بالتفكك من داخله.

السياسيون الذين غذّوا هذا المسار، اعتقادًا أنه يمنحهم سيطرة أكبر، وجدوا أنفسهم أمام واقع أكثر فوضوية مما توقعوا. فالانقسام، حين يُستدعى، لا يبقى تحت السيطرة. والمليشيا، حين تُنشأ، لا تظل أداة طيّعة. وهكذا، تحوّل التكتيك السياسي إلى مأزق وجودي للدولة.

اليوم، لا تكمن خطورة الحرب في استمرارها فقط، بل في ما تتركه خلفها: استقطابًا يتجذر، وهوياتٍ تتصلّب، ومجتمعًا يفقد قدرته على إعادة ترميم نفسه. وكلما طال أمد الصراع، أصبح السلام أكثر تعقيدًا، لأنه لن يكون مجرد اتفاق سياسي، بل عملية إعادة بناء اجتماعي كاملة.

لهذا، فإن أي أفق حقيقي للخروج من الأزمة لا يمكن أن يتجاهل الجذر: الخطاب الذي بدأ القصة. لا سلام مع لغة تُقسّم، ولا استقرار مع سياسة تُسلّح الانتماء. المطلوب ليس فقط وقف الحرب، بل نزع الشرعية عن منطقها: تفكيك خطاب الإقصاء، واستعادة السياسة كمساحة جامعة، لا كساحة صراع صفري.

في النهاية، لم تكن عبارة “ناس الجزيرة تربية شيوعيين” مجرد جملة عابرة، بل كانت علامة مبكرة على انزلاق عميق: حين تتحول الدولة من إطار جامع إلى طرف في الانقسام، وحين يصبح السياسي صانعًا للشرخ لا جسرًا فوقه.

والسؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس فقط كيف يوقف الحرب… بل كيف يمنع تكرارها: كيف يبني دولة لا تحتاج إلى مليشيات لتحكم، ولا إلى خطاب إقصائي لتستمر، بل إلى عقدٍ وطني يعترف بالتنوع—ويحميه.