ثم كانت هي!

شابة وضيئة المحيا..أقبلت نحونا فحيتنا بابتسامة عريضة ثم اعتلت خشبة المسرح وانطلقت تذرع المكان جيئة وذهاباً وهي صامتة فبدت لنا وكأنها تخاطبنا بإيماءات من وجهها وبحركات من يديها…فتملكتنا الحيرة وانفغرت الأفواه انشداهاً لما يجري، إلى أن تبين لنا لاحقا؛ أنها بالفعل كانت تخاطبنا بلا لسان؛ فتحسرنا على تخلفنا في مواكبة مستجدات فن المسرح!

أما قبل؛

فكان ملك الحيرة عمرو بن هند..
قاسي القلب؛ عبوساً قمطريرا، كان..قالوا ما من ملك عرفته العرب أرهب رعاياه كما فعل ابن هند هذا..
ومن شدة قسوته على شعبه لُقِّب ب (المحَرِّق)..وقصة ذلك أنه أقسم على أن يحرق مئة رجل من قبيلة بني تميم المعروفة، انتقاما لأخيه الذي قتلوه..وحقق ما أقسم عليه!

فليتَ لنا مكان الملك عمروٍ
رغوثاً حول قبتِنا تخورُ

بهذا البيت هجا الشاعر الجاهلي *طرفة ابن العبد* ملك الحيرة عمرو بن هند؛ فكان سببا لمقتله، كما جاءتنا به كتب الأدب..

طرفة في هجائه يشبه الملك بالرغوث (النعجة كثيرة اللبن)؛ مفضلا إياها على الملك؛ وهو هجاءٌ كاوٍ، ينزع مهابة الملك..وأي شاعر هذا الذي يجرؤ على هجاء الملكٍ عمرو بن هند يا رعاك الله؛ مع ما عرفت من بطشه برعاياه؟.. فالرجل لشدة قسوته وجبروته؛ كما ذكرت؛ لٌقِب بالمحرِّقٍ..

وقصة ذلك أنه أقسم على أن يحرقَ من قبيلة بني تميم مئة رجل، انتقاما لشقيقه الذي قتلوه.. فغار عليهم وأحرق منهم تسعة وتسعين رجلا وظل ينتظر حتى يكمل ما أقسم عليه من عدد؛ أي مئة رجل..تصاعد الدخان وتعالت رائحة الشواء (شواء لحوم البشر) فظنها رجل من البراجمة (وهم بطن من بني تميم)-وكان قادما من الصحراء- وليمةً، أقامها الملك لأهله، فأقبل عليها مسرعا؛ ليسدَّ رمقَه؛ فاستقبله الملك سائلا:
-ممن الرجل؟ اي من أي قبيلة أنت؟
اجاب الرجل وهو لا يعرف شيئا عما حل بأهله:
-من البراجمة..
فألقاه الملك في الحفرة التي تتلظى فيها النيران وأكمل به المئة..وصار ذلك مثلا يضرب لمن يأتي لحتفه بظلفه فيقال:
الشقيُّ وافدُ البراجمة.

An unwitting sacrifice who came to his fate unknowingly!

كان الملك عمرو بن هند قد بلغه هجاء المتلمس وابن أخته طرفة، فنوى أن ينتقم منهما بقتلهما بمكيدة تأخذهما بعيدا عن مملكته في الحيرة؛ خشية أن يثور عليه أبناء قبيلتهما- بنو تميم، إن قتلهما الملك في الحيرة..

دعا الملك الشاعرين إلى قصره وأولم لهما واوهمهما أنه يستعذب أشعارهما وأنه يريد أن يجزل لهما العطاء، فأعطى كل واحد منهما رسالةً، وطلب منهما أن يتوجها الى البحرين ليسمعا عامله هناك بعضاً من أشعارهما، فيكافئهما هذا ويجزل لهما العطاء بأمر من الملك..الرسالة لم تكن أمرا بالمكافأة كما قال الملك، بل كانت توجيها منه لعامله في البحرين بأن يبتر أيدي وأرجل الشاعرين ويتركهما ينزفان حتى الموت..

انطلق الشاعران إلى البحرين وهما يمنيان نفسيهما بما تهويان من العطايا.

في الطريق الى البحرين؛ المتلمس يشك في الأمر، ويقصد غلاما على الطريق فيستقرئه الرسالة التي في يده..
يخبره الغلام بأن في الرسالة أمر بقتله فور وصوله إلى البحرين..
المتلمس يلقي الرسالة في النهر ويهرب تاركا خلفه ابن أخته الذي رفض فض رسالته رغم الحاح خاله عليه..

انطلق طرفة برسالته الى البحرين حيث أتى لحتفه بظلفه، كما نعلم، حين بترت أعضاؤه وتُرك ينزف حتى الممات كما أمر الملك.

صحيفة المتلمس والتي صارت مثلا يضرب للشخص الذي يسعى لهلاكه بيده، نجد صداها في مسرحية هاملت لشكسبير..

الملك كلودياس يدبر مكيدةً، تأخذ هاملت إلى انجلترا، ليقتل هناك.. ثم يطلب الملك من روزنكرانتز وغيلدينستيرن،
Rosencrantz & Guildenstern
وهما من اخلص الناس لهاملت، أن يرافقاه في رحلته…الملك يحمّل هاتين الشخصيتين الهامشيتين في مسرحية شكسبير، رسالةً لملك انجلترا مشفوعة بمسوغات مقنعة؛ يطلب فيها من ملك انجلترا أن يقتل هاملت فور وصوله الى هناك ..الحارسان لا يعرفان عن فحوى الرسالة شيئا..

ينطلق صديقا هاملت منذ مرحلة الصبا (روزنكرانتز وغيلدينستيرن) برفقة صاحبهما الى انجلترا وهما يحملان الرسالة وما حوت..

هاملت تساوره الشكوك فيطّلع على الرسالة سرا ويحوّرها بحيث تقرأ بأن الملك كلودياس يطلب من ملك انجلترا قتل الحارسين؛ روزنكرانتز وغيلدينستيرن، فور وصولهما اليه..

يصل هاملت برفقة صديقيه الى انجلترا واللذين يسلمان الملك الرسالة..الملك يقرأ الرسالة ويأمر بقتل الحارسين فورا؛ فيقتلان، ويعود هاملت لاحقا الى الدنمارك ليكمل ما طلبه منه أبوه من ثأر على الملك كلودياس وزوجته جيرترود (وهي أم هاملت التي شاركت كلودياس في التخلص من والده ليرثا الملك من بعده)…

الحارسان؛ روزنكرانتز وغيلدينستيرن؛ شخصيتان هامشيتان في مسرحية شكسبير..لا دور لهما في المسرحية سوى تلك الرحلة التي رافقا فيها هاملت الى انجلترا ليقتل هناك بطلب من الملك..

المسرحي البريطاني المشهور توم ستوبارد Tom Stoppard ألّف مسرحية عبثية حول هاتين الشخصيتين الهامشيتين ظهرت بعنوان *مقتل روزنكرانتز وغيلدينستيرن*:
Rosencrantz & Guildenstern Are Dead

نالت هذه المسرحية العبثية شهرة واسعة في بريطانيا واهتم بها النقاد كثيرا لما تحمله من مغاز تسلط الضوء على الشخصية الهامشية إذا قيض لها أن تخرج من حدود الهامش والعتمة وتحكي حكايتها بلسانها لا بلسان الغير، الذي حصر دورها في الهامش والعتمة..

في تسعينيات القرن الماضي زارت الفنانة الرائعة في مجال المونودراما والبانتومايم الأستاذة تماضر شيخ الدين جبريل، سلطنة عمان..

قدمت الأستاذة تماضر فقرة من مسرح البانتومايم على مسرح النادي السوداني في مسقط..

نالت الفقرة-رغم تعثر متابعتنا لها في البداية- اعجاب الحضور بشكل لافت، لانها كانت فنا جديدا يخاطب الجمهور بحركات الجسد وايماءات الوجه في ظل غياب كامل للكلام..

المونودراما هو مسرح الشخص الواحد، يقوم فيه ممثل واحد ببطولة العرض مجسدا قصة او أزمة نفسية..في حين يقصد يالبانتومايم فن التمثيل الصامت القائم على الحركات الايحائية وتعبيرات الجسد فقط دون استخدام الكلام لنقل المشاعر والأفكار ويعتمد على ايماءات الوجه وحركة الجسم لتجسيد مواقف درامية..

الفقرة التي قدمتها تماضر تلك الأمسية على خشبة مسرح النادي السوداني، كانت بمثابة دعوة لي لأعرف عن هذه المبدعة الكثير مما لا أعرف؛ وتبين لي لاحقا أنها فنانة شاملة في مجال المسرح والتمثيل والغناء والكتابة الابداعية بوجه عام..
A multifaceted artist excelling in drama, music and creative writing..

قرأت لها مؤخرا نصا كتبته عن حسنة بت محمود الشخصية الهامشية في رواية موسم الهجرة الى الشمال..حسنة قامت بدور كبير في الرواية ولكنه دور يحكيه عنها-منقوصا- الآخرون وليست هي التي تحكي عما يدور في خلدها، حين تقدم على فعل شيء، مثلا كحبها لمصطفى سعيد.. حين يسألها محيميد إن كانت تحب مصطفى نجدها تكتفي بالقول بأنه (أبو أولادي…).. كما أنها لم تبرر قولها لاحقا (ما بدخل علي راجل بعد مصطفى)..مصطفى اللامنتمي، الذي يعد في نظر القرية بلا أصل (والدته من الجنوب ووالده من العرب).. حسنة أحبت هذا الغريب ولم ترض ببديل له بعد رحيله..هذه الثورة على التقاليد القروية لم تفصح حسنة بلسانها عن مسبباتها..

حسنة شخصية مشحونة بالغموض ومثقلة بالدلالات، ومع ذلك نجدها في هامش الاحداث في الرواية وتكتفي بما يقوله عنها الآخرون..

سمعناها في حالة نادرة حين صاحت معترضة على زواجها من ود الريس:
بعد مصطفى سعيد لا يدخل علي راجل واذا جبرتوني سأقتله وأقتل نفسي..

هذه العبارة تختزل الكثير مما كان لحسنة ان تقوله لو أرادت، ولكنها ما قالت بل ظلت اسيرةً لما يقوله عنها الآخرون..اقدامها على قتل ود الريس وقتل نفسها شيء لم تسمع به القرية من قبل..انه تمرد وثورة على مفاهيم القرية..ومع ذلك حسنة (مصدر الفعل) لم تتكلم بل فعلت ما أرادت وتركت الكلام لغيرها..

تماضر في نصها الرائع اخرجت حسنة من عتمة اللا قول إلى نور الفضفضة واستنطقتها وحكت لنا بلسانها ما لم تقله حسنة في الرواية، إلى جانب ما أرادت تماضر أن تقوِّلها في نصها…

الصلة بين ما فعلته تماضر بشخصية حسنة باخراجها من هامش الاحداث الى الضوء وما جاءنا به توم ستوبارد حين اخرج روزنكراتنز وغيلدينستيرن من هامشية مسرحية شكسبير الى الحضور الفاعل، لا تغيب عن ذهن القاريء..هذا الحضور الذي صيغ من جديد جعل النقاد يحتفون أكثر بهذا الجانب من الفن الذي يجعل للشخصية الهامشية في الرواية او المسرحية لسانا تتحدث به وتقول ما لم تقله في الرواية أو المسرحية من خلال اعادة صياغتها لتصبح شخصية ذات حضور ولسان تحكي به ما تريد ان تقوله..

A re-imagined minor character who asserts themselves and creates their own meaning and value. Critics love when marginalized characters get reimagined with voices .. It sparks fresh perspectives on classic works and highlights overlooked themes..

Reimagining marginalized characters can:
– Challenge original narratives
– Add depth to underdeveloped characters
– Reflect modern social issues
– Create new interpretations

موسى الأعرج في رواية عرس الزين يعد هو الآخر من الشخصيات التي كان من الممكن ان تقول الكثير لو قيض لها ذلك، لكننا ما سمعناه يقول ولو كلمة واحدة..

كان عبدا رقيقا لرجل موسر في البلد ولما منحت الحكومة الرقيق حريتهم، آثر موسى أن يبقى مع مولاه الذي كان شغوفا به ويحبه ويعامله معاملة الابن..ولكن حين توفي مولاه آلت الأمور لابنه السفيه سيف الدين الذي بدد امواله وطرد موسى من البيت الذي لا يعرف غيره!
شخصية موسى الأعرج شخصية هامشية في الرواية تعيش في الظلال مع ان مأساته ما وجدت لسانا يخرجها من العتمة والظلال الى البوح بالمكتوم من قول في صدره..

ربما نجد من ينبري لتسليط ضوء على مأساة موسى الأعرج كما فعلت الرائعة تماضر لحسنة بت محمود…
ربما!