إنكارٌ لا يفيد وجبن لا ينجي من معاول الإقتلاع؟!
الجميل الفاضل يكتب:
يتمتع الإسلاميون في السودان بقوة عين نادرة، وبقدرة لا تضاهي على مغالطة الحقائق وإنكار الوقائع.
اليوم، ها هو نافع علي نافع ينكر، على خلفية تصنيف الحركة الإسلامية منظمة إرهابية، علاقة المؤتمر الوطني بهذه الحركة التي كان هو حزبها المعبر عنها ووسيلة حكمها لثلاثين عامًا، وأسامة عبدالله ينكر علاقته هو نفسه بالإسلاميين وبالإخوان المسلمين.
كما أنكر الترابي من قبل انقلابه، في أول يوم جاء، وأنكر أمام القضاء 27 من عتاة مدبري هذا الانقلاب نفسه، أدوارهم في القيام به.
ليسقط في يد البشير، الذي أعلن مضطرًا تحمله منفردًا مسؤولية انقلاب 1989، بعد أن رأى من مدبري الانقلاب الحقيقيين ما رأى من إنكار.
علي أية حال، لا أعرف إلى يومنا هذا، قومًا طابقوا الوصف القرآني الذي يقول:
“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ.”
ربما لا يشعرون بأنهم قد فلقوا أدمغتنا لما يقارب نصف قرن، بشعارات احتيالية بلهاء شرخوا بها حناجرهم في الطرقات، مردّدين: “شريعة شريعة، ولا نموت، الإسلام قبل القوت”، هو شعار يدعو لدين نقيض، يضع الشريعة مقابل الموت، والإسلام مقابل القوت، ويذهب عكس فقه أهل السودان المتسامح، الذي يرى ألا دين أصلا بلا “عجين”.
ناهيك عن الإتيان بدين دموي ظل شعاره دائمًا: “فلترق منا دماء، أو ترق منهم دماء، أو ترق كل الدماء”.
الغريب أيضًا في أمرهم أنهم لم يموتوا لأجل هذه الغاية كما تعهدوا لنا، ولم يطبقوا الشريعة التي نادوا بها، حين آل الأمر برمته إليهم، فحكمونا لأكثر من ثلاثة عقود بنظام لا يمت للإسلام بصلة.
بل في ظني، إنهم قد جسدوا بالفعل والقول والسلوك أصدق مثال حي لنموذج “المنافق” في هذا الزمان، هذا النموذج الذي أوجز صورته من أُوتي جوامع الكلم، عليه الصلاة والسلام، بوصف دقيق في ثلاثة أو أربعة كلمات جامعـة، نقلها عبد الله بن عمرو عن النبي، في قوله:
“أربعة من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كان به خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.”
في حين حدد النبي الكريم بالمقابل ملامح المؤمن الحقيقي بقوله:
“المؤمن إذا حدث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن وفى.”
فضلاً عن مؤشر دقيق للقياس بذله الحسن البصري للناس عمومًا، بقوله:
“ما أمن النفاق إلا منافق، وما خاف النفاق إلا مؤمن.”
المهم، فمن بين أصناف البشر الثلاثة: المؤمن، والكافر، والمنافق، اختص الله المؤمنين بأربعة آيات من القرآن، واقتصر تبيانه للكفار بآيتين، بينما توسع سبحانه وتعالى في شرح حال المنافقين في ثلاث عشرة آية كاملة، لما يمثل حضورهم من خطورة على الناس والحياة، على نحو ما جرى بالسودان من فساد واستبداد وسفك للدماء، انتهى اليوم بحرب ودمغة إرهاب عالمية.
