سرديات..
النبي الملك -عليه السلام- يتفقد جنودَه، فيلحظ غياب الهدهد، فيتوعده بعذاب شديد..
“*وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين…لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين*”.. صدق الله العظيم-سورة النمل..
الهدهد يأتي ويقف غير بعيد عن الملك ويبرر غيايه رغم الوعيد:
*- “لقد أحطت بما لم تحط به”*! عبارة تحمل في ثناياها ما يشبه التحدي! تحدي جندي لملكه!
“فمكث غير بعيد، فقال *أحطت بما لم تحط به* وجئتك من سبأ بنبأ يقين”..
فيحدثه عن مملكة سبأ ومليكتها وعبدة الشمس من رعاياها..
المعلومة (الخبر) التي جاء بها الهدهد تجد أذنا صاغية من النبي الملك فينجو الهدهد من الوعيد..
الهدهد يعرف حزم الملك وشدته، ولذلك بدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن إصغاء الملك له.. وأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له: “أَحَطتُ بِمَا تحط به”؟؟
علماء الصحافة يسمون هذه المقدمة التي برر بها الهدهد غيابه بالمقدمة *القنبلة* حيث نراها تطغى على مسألة غيابه، وتضمن إصغاء نبي الله سليمان له.
*Hook*; a powerful opening sentence or paragraph in a news story; that’s designed to grab attention and draw readers in- sometimes it’s called grabber..
أسلوب التشويق الذي أتى به الهدهد -بمقدمته القنبلة- في دفاعه عن نفسه، معروف كما ذكرت، في صياغة الأخبار لا سيما لدى صحافيي وكالات الأنباء، التي يكون عامل الزمن فيها في غاية الأهمية؛ لتحقيق *السبق الصحفي* الذي يعزز مكانتها لدى متابعيها؛ بعكس ما هو الحال للصحف الورقية، التي يكون حظها أوفر من حيث الزمن المتاح..
ثم توسع استخدام هذا الأسلوب في مجالات أخرى كالكتابة الابداعية، حيث اتخذه الروائيون طريقةً مؤثرةً في شد انتباه القاريء..ويجيء عبقري الرواية العربية من أميز من وظفوا هذا الأسلوب في أعمالهم..
ففي *عرس الزين* يكون وقع خبر العرس قنبلة تشل تفكير كل من سمع به:
قالت حليمة بائعة اللبن لآمنة – وقد جاءت كعادتها قبل شروق الشمس – وهي تكيل لها لبنا بقرش :
“سمعت الخبر ؟ الزين مو داير يعرس ” .
وكاد الوعاء يسقط من يدي آمنة . واستغلت حليمة انشغالها بالنبأ فغشتها اللبن..
كان فناء المدرسة الوسطى (الاعدادية بلغة اليوم) ساكناً خاوياً وقت الضحى..فقد أوى التلاميذ إلى فصولهم ، وبدأ من بعيد، صبي يهرول لاهث النفس ، وقد وضع طرف ردائه تحت إبطه، حتى وقف أمام باب ” السنة الثانية ” وكانت حصة الناظر . (والناظر، كما نعلم، يعرف بالحزم ولا يتهاون مع من تأخر من تلامذته عن حصته، مهما كان السبب)..
– يا ولد يا حمار . إيه أخرك ؟
ولمع المكر في عيني الطريفي :
– يا فندي سمعت الخبر ؟
– خبر بتاع إيه يا ولد يا بهيم ؟
ولم يزعزع غضب الناظر من رباطة جأش الصبي ، فقال وهو يكتم ضحكته :
– الزين ماش يعقدو له بعد باكر..
وسقط حنك الناظر من الدهشة ونجا الطريفي .
وفي السوق أقبل *عبد الصمد* على دكان شيخ *علي* ، محتقن الوجه ، ليس ثمة أدنى شك في أنه غضبان . كان له على شيخ علي ، تاجر العماري ، دين ماطله عليه شهرا كاملا – وقد قرر أن يخلصه منه ذلك اليوم ، بالخير أو بالشر .
– علي . أنت يعني قايل أنا ما بخلص قروشي منك ، ولا فكرك شنو ؟ ”
– حاج عبد الصمد . كدى قول بسم الله، واقعد نجيب لك فنجان جبنة..
– يا زول جبنتك طايرة عليك ، قوم افتح الخزنة دي ادني قروشي ، ولا كمان إن بقيت ما بي ضمة، كمان فهمني..
وبصق شيخ علي ” السفة ” من فمه؛ وقال:
– كدى اقعد انحدثك بالخبر دا ..
– يا زول أنا مو فاضي لك ولا فاضي لي خبيراتك ، باقي أنا عارفك مستهبل داير تطرتش على قروشي..
– يمين قروشك حاضرات ، كدى اقعد انحكيلك حكاية عرس الزين..
– قلت عرس منو ؟
– عرس الزين..
وجلس عبد الصمد ووضع يديه على رأسه وظل صامتا برهة ، وشيخ علي ينظر إليه مغتبطا بالأثر الذي أحدثه . وأخيرا وجد عبد الصمد ما يقول:
– أي لا إله إلا الله محمداً رسول الله . عليك الرسول يا شيخ علي دار حديث شنودا ؟
ولم يخلص عبد الصمد دينه في ذلك اليوم، رغم وعيده..
