بين الإرشاد والتجييش: أزمة الخطاب الديني في المساجد
د. أحمد خضر يكتب ..
في المجتمعات الإسلامية، لا يُعدّ منبر الجمعة مجرد منصة وعظية عابرة، بل أحد أهم الفضاءات التي يتشكل فيها الوعي الديني والأخلاقي للجمهور. فمن خلال خطبة لا تتجاوز دقائق معدودة، يمكن أن تُغرس قيم الرحمة والتكافل والوحدة، كما يمكن – في المقابل – أن تُغذّى مشاعر الانقسام والاستقطاب.
ولهذا فإن الكلمة التي تُقال على منبر الجمعة ليست كلمة عادية؛ إنها خطاب عام يلامس الضمير الجمعي ويؤثر في المزاج الاجتماعي للمجتمع.
غير أن هذا المنبر، الذي شُرع ليكون مجالاً للهداية والإصلاح، يتعرض أحياناً إلى توظيف طائفي أو سياسي يخرجه عن رسالته الأصلية. فعندما تتحول خطبة الجمعة إلى منصة لتغذية الانقسام أو لتصفية الحسابات بين التيارات الدينية والسياسية، فإنها تفقد دورها الجامع، وتتحول من خطاب للإرشاد إلى خطاب للتجييش.
المشهد السوداني وتعقيداته
تظهر هذه الإشكالية بوضوح في الحالة السودانية، حيث تشكلت عبر عقود طويلة خريطة دينية وسياسية معقدة تتداخل فيها الطوائف الدينية مع الحركات الإسلامية.
ففي السودان نجد حضوراً لتيارات متعددة: من جماعات الإسلام السياسي المرتبطة تاريخياً بـ جماعة الإخوان المسلمين، إلى التيار السلفي الذي تمثله مجموعات مختلفة أبرزها أنصار السنة المحمدية، فضلاً عن الطوائف الدينية التاريخية ذات الامتداد الاجتماعي والسياسي مثل الأنصار المرتبطة تقليدياً بـ حزب الأمة القومي، والطريقة الختمية المرتبطة تاريخياً بـ الحزب الاتحادي الديمقراطي.
ومع مرور الزمن، لم يعد الاختلاف بين هذه التيارات فكرياً أو سياسياً فحسب، بل انعكس أيضاً على المجال الديني ذاته. ففي كثير من المدن والأحياء أصبح المسجد – بصورة غير معلنة أحياناً – معبّراً عن انتماء فكري أو طائفي محدد، حتى بات لكل تيار تقريباً منابره الخاصة التي يخاطب من خلالها جمهوره.
هذه الظاهرة قد تبدو للبعض تعبيراً عن التنوع، لكنها تحمل في طياتها خطراً كامناً. فعندما يتحول المسجد إلى مساحة للتمايز الطائفي، تضيق المساحة الجامعة للدين، ويتحول المنبر – من حيث لا نشعر – إلى جزء من خريطة الاستقطاب السياسي والاجتماعي.
البعد الدولي للجدل حول الحركات الإسلامية
ولم يعد النقاش حول علاقة الدين بالسياسة شأناً محلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من جدل دولي واسع حول دور الحركات الإسلامية في المجال العام.
فقد اتخذت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة خطوات لتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين كتنظيمات إرهابية وفرض عقوبات عليها، في إطار سياسات تهدف – وفق الرؤية الأمريكية – إلى الحد من ارتباط بعض هذه الفروع بجماعات مسلحة في المنطقة.
ومهما اختلفت المواقف من هذه القرارات أو من خلفياتها السياسية، فإنها تعكس حقيقة لافتة: أن التداخل بين الدعوي والسياسي يجعل الخطاب الديني عرضة لأن يُقرأ – داخلياً وخارجياً – باعتباره جزءاً من صراع السلطة، لا مجرد خطاب روحي أو أخلاقي.
أزمة الأسلوب والخطاب
غير أن أزمة الخطاب الديني في المساجد لا تقف عند حدود الاستقطاب الطائفي أو السياسي فقط، بل تمتد أيضاً إلى طبيعة الخطاب نفسه.
فكثير من خطب الجمعة ما زالت تعتمد نمطاً تقليدياً متكرراً: نصوص محفوظة، لغة وعظية مباشرة، وأفكار عامة تتكرر أسبوعاً بعد أسبوع. ومع تغير الأجيال وتبدل وسائل التأثير في العصر الحديث، أصبح هذا النمط أقل قدرة على جذب الانتباه أو إحداث التأثير العميق في المستمعين.
جيل اليوم يعيش في عالم بصري سريع الإيقاع، يتلقى المعرفة عبر الصورة والفيديو والتجربة المباشرة. ولذلك فإن الاقتصار على خطاب تقليدي طويل قد يجعل الرسالة أقل حضوراً في وعي المصلين، خصوصاً لدى الشباب الذين اعتادوا أساليب تواصل أكثر تفاعلاً وتأثيراً.
نحو خطاب أكثر تأثيراً
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لا يتطور أسلوب الخطبة مع الحفاظ على جوهرها؟
لماذا لا تُوظَّف الوسائل التقنية الحديثة – في الدروس والمحاضرات المصاحبة للصلاة – مثل العروض المرئية أو المقاطع القصيرة التي تشرح فكرة أخلاقية أو تجربة إنسانية مؤثرة؟ ولماذا لا يستفيد الخطاب الديني من قصص وتجارب واقعية تعكس قيم الصدق والأمانة والتكافل بدلاً من الاكتفاء بالخطاب المجرد؟
فالتجارب الإنسانية الحقيقية – قصة طبيب أنقذ مريضاً، أو شاب غيّر مسار حياته، أو مبادرة مجتمعية ناجحة – قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً في الوجدان من عشرات العبارات الوعظية التقليدية. فالناس يتأثرون بما يرونه ويشعرون به، لا بما يسمعونه فقط.
المنبر بين الرسالة والصراع
إن تطوير خطاب خطبة الجمعة لا يعني التفريط في هيبتها، ولا تحويل المسجد إلى قاعة عرض، بل يعني ببساطة أن تبقى الرسالة الدينية قادرة على مخاطبة الإنسان في عصره ولغته وأدواته.
فالدعوة في جوهرها كانت دائماً دعوة إلى الحكمة، والحكمة تقتضي أن تُقدَّم الفكرة بالطريقة الأكثر قدرة على الوصول إلى القلوب والعقول.
وفي النهاية، فإن حماية منبر الجمعة من التوظيف الطائفي والسياسي، وتطوير أسلوب خطابه ليكون أكثر واقعية وتأثيراً، ليسا ترفاً فكرياً بل ضرورة اجتماعية.
فالمسجد ليس ساحة للصراع بين التيارات، بل فضاء جامع يفترض أن تذوب فيه الانقسامات، لا أن تُعاد إنتاجها.
وإذا تحول المنبر إلى أداة للتجييش، خسر الدين رسالته الجامعة.
أما إذا بقي منبراً للحكمة والوعي، فإنه يظل أحد أهم الحصون التي تحمي المجتمع من الانقسام، وتمنحه القدرة على التماسك في وجه الأزمات.
