زيادة المرتبات في السودان 2026: بين الضرورة الاجتماعية والتحديات الامنية والاقتصادية.

د. وائل فهمي بدوي محمد يكتب ..

ففي ظل الظروف الامنية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودان حاليا، مع اولوية استمرار تمويل المجهود الحربي، كما اولوية د. ابراهيم البدوي في الوفاء بالتزامات الهيبك في زمانه، وذلك في تدهور العلاقات الدبلوماسية والسياسية الدولية الحديثة، قررت وزارة المالية زيادة المرتبات ومنح المعاشيين كدعماً إضافياً في موازنة عام 2026 وذلك في خطوة تهدف، على ما تبدو، إلى تخفيف الضغوط المعيشية على المواطنين.

 

فمن الناحية الاجتماعية، تمثل هذه الزيادة استجابة طبيعية لارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للدخول، خاصة لدى الموظفين وأصحاب المعاشات الذين يعدون من أكثر الفئات تأثراً بارتفاع الأسعار.

 

لكن من زاوية الاقتصاد الكلي، يثير هذا القرار عدداً من التساؤلات المهمة. ففي ظل استمرار تمويل المجهود الحربي حاليا، فان زيادة الأجور تعني مفاقمة الارتفاع في الإنفاق الحكومي واستمرار الاقتراض إذا لم تقابلها زيادة حقيقية في الإيرادات العامة، والا فان ذلك سيؤدي إلى اتساع عجز الموازنة العامة.

 

وكما هو معلوم، فانه في كثير من الحالات، يتم تمويل هذا العجز عبر الاقتراض أو التوسع في إصدار النقود، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة السيولة وارتفاع معدلات التضخم.

 

ولا يتوقف الأثر عند حدود الموازنة العامة الداعمة حاليا للمجهود الحربي بالاساس، بل سيمتدد الاثر ليطال ميزان المدفوعات. فزيادة الدخول غالباً ما تؤدي إلى زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية، عموما، ومع ضعف الإنتاج المحلي يعتمد السوق بدرجة كبيرة على الواردات. وبالتالي قد ترتفع فاتورة الاستيراد ويزداد الطلب على العملات الأجنبية بما يترتب عليه من اتساع عجز ميزان المدفوعات ليضغط الحكومة على الاقتراض الاجنبي، رغم التداعيات السلبية الصعبة لقرارات التصنيف الامريكي مؤخرا، في حال ضعف الاحتياطات الدولية لبنك السودان المركزي.

 

لذلك تبقى زيادة المرتبات خطوة مهمة من الناحية الاجتماعية، لكنها لن تحقق أهدافها بالكامل في ظل استمرار الحرب الحالية، ومفاقمة الاختلالات الهيكلية الكلية، ما لم تُصاحبها سياسات اقتصادية داعمة لتعزيز الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات، وتحسين الإيرادات العامة.

 

فالتحدي الحقيقي ليس فقط في زيادة الدخول، بل في تحقيق الاستقرار الامني لدعم مشاريع خلق اقتصاد قادر على دعم هذه الزيادات وقوتها الشرائية بشكل مستدام.

 

في النهاية، يبقى الهدف الأساسي لأي سياسة اقتصادية، ليس في صناعة ما يؤدي الى مفاقمة الاختلالات الهيكلية في ظل حرب ما زالت مستمرة، وتصنيفات دولية عازلة من مصادر التمويل، وانما في تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، في اطار يتوفر فيه مناخ كامل للامن القومي، حتى تتحول الزيادات في الدخول، وعدالة توزيعها، وتحسين قوتها الشرائية الحقيقية، إلى تحسن حقيقي في مستوى معيشة المواطنين، لا إلى أرقام تلتهمها موجات التضخم.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.