السودان تحت المجهر الأمريكي… ماذا يعني تصنيف الإسلاميين؟
نبض قلم
عادل تاج الدين جار النبي يكتب ..
في خضم الحرب التي تعصف بالسودان منذ أبريل 2023، برز في بعض الدوائر السياسية والإعلامية حديث متزايد عن تصنيف الإسلاميين في السودان تنظيماً إرهابياً من قبل الولايات المتحدة. ومهما اختلفت التقديرات حول جدية هذا التوجه أو توقيته، فإن مجرد طرحه يعكس تحولاً في الطريقة التي تنظر بها بعض القوى الدولية إلى طبيعة الصراع السوداني.
ففي بداية الحرب كان التصور السائد لدى كثير من العواصم الغربية أن ما يجري في السودان هو صراع على السلطة بين قوتين عسكريتين: الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. غير أن تطورات المشهد خلال العامين الماضيين دفعت بعض المراقبين إلى إعادة قراءة هذا الصراع ضمن إطار أوسع، يتجاوز مجرد المنافسة العسكرية إلى شبكة معقدة من التوازنات السياسية والأيديولوجية والاقتصادية التي تشكلت خلال عقود حكم النظام السابق.
فمنذ انقلاب عام 1989 الذي أوصل تحالف الجيش والحركة الإسلامية إلى السلطة بقيادة عمر حسن البشير، نشأت داخل الدولة السودانية منظومة واسعة من النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي المرتبط بالحركة الإسلامية. وبعد سقوط النظام في عام 2019 لم تختف هذه الشبكة بالكامل، بل بقيت أجزاء منها داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع. ومع اندلاع الحرب الأخيرة عاد الجدل حول حجم هذا النفوذ ودوره في المشهد السياسي والعسكري.
ومن هذا المنظور يمكن فهم النقاش الدائر في واشنطن حول تصنيف الإسلاميين في السودان. فالأمر بالنسبة لبعض صناع القرار الغربيين لا يتعلق فقط بموقف أيديولوجي من التيارات الإسلامية، بل أيضاً بمحاولة التأثير في توازنات السلطة داخل الدولة السودانية ومنع عودة القوى المرتبطة بالنظام السابق إلى المشهد السياسي عبر بوابة الحرب أو عبر إعادة إنتاج نفوذها داخل مؤسسات الدولة.
لكن تأثير مثل هذا القرار لن يكون بسيطاً أو أحادي الاتجاه. فمن ناحية قد يؤدي إلى تضييق الخناق على شبكات التمويل والنفوذ الاقتصادي المرتبطة بالإسلاميين، خصوصاً إذا امتدت العقوبات إلى الأفراد أو الشركات المرتبطة بهم داخل النظام المالي الدولي. وفي بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة وانهيار في مؤسسات الدولة، فإن مثل هذه الإجراءات قد تزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي.
ومن ناحية أخرى، قد يسعى أطراف الصراع داخل السودان إلى توظيف مثل هذا القرار في معركة السردية السياسية. فقد يراه البعض دليلاً على صحة روايته بأن الحرب جزء من مواجهة أوسع مع بقايا النظام السابق، بينما قد يراه آخرون تدخلاً خارجياً في التوازنات السياسية السودانية ومحاولة لإعادة تشكيل المشهد السياسي من خارج الحدود.
غير أن الأزمة السودانية تبقى أعمق من أن تُختزل في تصنيف تنظيم سياسي أو فرض عقوبات على مجموعة من الأفراد. فالحرب الحالية هي نتيجة تراكم طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي فشلت النخب السودانية في معالجتها على مدى عقود. ولهذا فإن أي قرارات دولية قد تؤثر في بعض ملامح المشهد، لكنها لن تكون كافية وحدها لإنهاء الصراع أو إعادة بناء الدولة السودانية.
وفي نهاية المطاف سيظل مستقبل السودان مرهوناً بقدرة السودانيين أنفسهم على الخروج من منطق الحرب إلى منطق السياسة، وبناء مشروع وطني جامع يعيد للدولة توازنها ويضع حداً لدورات الصراع التي أنهكت البلاد لسنوات طويلة.
