القارب المنسي..

ابراهيم سالكا يكتب ..

قمر الدولة محمد سيد احمد لايمكن ان يسقط من الذاكرة الثقافية بوصفه تجربة انسانية وشعرية عصية على الخفوت وإن توارت عن دوائر الضوء بسبب الرحيل المبكر والغربة الطويلة عن الوطن

 

ولد في الشمالية الدبة قرية الككر وتم تسميته بدفاتر الدولة عبد الله وسمي علي جده عبدالله ودعمر الراوي للمديح وايقونة القرية في زمانه وكان الاسم نصيب من الطباع والخصال وقالت حبوبته

خالي اتمنيت لقيتو

وخالي سبقت سميتو

 

ومن ثم سار بين الناس قمر الدولة

وبقي في القرية طفولته الاولي ولكن سرعان ماسافر مع اسرته للجزيرة للعمل وهنالك تشكل وعيه الاول بحلة عبد الملك في بيت مشبع بالحنان ومسنود بقيم انسانية راسخة كان والده مثالا للأدب الجم ولطف المعشر فشب الفتى في مناخ اسري يوقر الكبار ويحتفي بالناس فتكونت داخله حساسية مبكرة وعين شديدة الملاحظة وخيال يتغذى من تفاصيل

الحياة اليومية

في البيئة الريفية وبين نسيج الثقافة الشعبية وتنوع الحياة الاجتماعية عبر قرى السودان ومناطقه من خلال مهنة التدريس نما صوته الشعري وتعددت ظلاله من بيئات مختلفة فازدادت تجربته ثراء وتعمق ادراكه لتباينات النفس والمجتمع ولم تكن دراسته في جامعة القاهرة سوى امتداد لهذا التراكم حيث انفتح على فضاءات فكرية اوسع وتوثقت صلته بالمنتديات الثقافية والجماعات والادبية سيما منتدي التكاليف بجامعة القاهرة بجانب مجموعة الشعراء منهم علي سبيل المثال عاصم حنفي وشهدنا ذلك عندما كنا طلاب بالثانوي نتسلل خفية الي ذاك المكان

فصقلت تلك المسارح موهبته ومن هذا المزيج الفريد تبلورت شخصية شاعر يغلب عليها الطابع الفلسفي الانساني يمتزج فيها الوعي الاجتماعي بصفاء الوجدان وظل ارتباطه بالجزيرة والشمالية وبذاكرة المكان النخيل والنيل والزراعة والنشاطات الشعبية روافد حية تغذي نصه وتمنحه دفئه الخاص فجاءت قصائده محمولة على ذاكرة جمعية نابضة ومشبعة بشجن انسان يرى في التفاصيل العابرة مرايا للمعنى

ديوانه القارب المنسي شاهد بليغ على هذه الرؤية عنواناً ومضموناً فهو اثر شعري يعكس عمق التجربة الوجدانية واتساع النظر الى الحياة والمجتمع ويشي بتجربة سخصية ونعي مبكر لنفسه

شاعر ظل بعيداً عن ما يستحقه من التنقيب والدراسة عند المختصين رغم ما تركه من حضور مؤثر في ذاكرة من عرفوه

وفي قصيدة القارب المنسي تتجسد ملامح عالمه الشعري بأوضح صورها هناك ينهض الصوت محملاً بأسئلة الوجود ووطأة الليل وقلق الرحلة تتكاثف الصور حول البعد والمسافة والاحزان والقافلة والمرسى كأن الشاعر يعيد سرد سيرة داخلية للروح وهي تعبر عتمات التجربة تتداخل الاناشيد مع التعب والحنين ويتحول القارب الى رمز كثيف للذات التائهة بين مجراها ومصيرها فلا يعود النص مجرد بوح ذاتي بل تأملاً في معنى الطريق والجدوى والمآل

لغة الشاعر هنا مشبعة بالايقاع الداخلي والتكرار الذي يمنح القصيدة نبرة انشادية ويعمق اثرها الوجداني تتجاور مفردات الطبيعة مع المفاهيم المجردة في بناء يزاوج بين الحس الحسي والتوتر الفلسفي حيث يبدو الحزن مادة للتفكير لا مجرد حالة شعورية ويغدو السؤال الشعري أداة كشف ومساءلة

غير ان مسيرة الشاعر زحياته كانت تحاكي مايكتب تماما

غاب عن جمهوره واهله زمناً في غربة كان يحدوها الامل ح واهن الصوت كأن الحياة تريد انتاج تأملاته الكبرى في جسده وتجربته

ومع ذلك ظل اثره باقياً في وجدان محبيه شاهداً على شاعر جمع بين الرهافة والنبض الانساني وتلك منزلة لا يمنحها الزمن إلا للصادقين

 

القارب المنسي

——————-

اتيت من البعيد اهيم

فوق تلال اشعاري

علي كتفي هول الليل

احمله ومزماري

وفي شفتي لحن الغاب

يصرخ مثل صرصار

وفي اعماق اعماقي

سقيت شتول ازهار

ستبقي للعيون السود

قنديلا من النار

اتيت اسائل الاحزان

عن ميلاد احزاني

وعن ركبي وقافلتي

وعن ابعاد شطاني

وعن ليلي وحجم الحس

وقت مخاض اشجاني

عن الاهات

عن سر تربع فوق وجداني

وعن هذا التراب الحر

يضحي بعض انسان

وجئت انقب الاجرام

عن بحري ومجراه

وهذا القارب المنسي

اين يكون مرساه

اناشيدي وطبل السحر

اين تضيع اصداه

وطيف اللحن في نفسي

متي يا نفسي القاه

وهذا الطين ان يحيا

ستشقي منه دنياه

ولدت واحرفي ثكلي

تغار علي دنا الطفل

تساوت عنده الاحزان

والافراح في الليل

يحب الشهد يدمنه

ويكره لدغة النحل

وابحث عن مشاويري

فلا القي سوي الجهل

تساورني مجاهيلي

رويدك انت كالطفل

وان اطرقت يا نفسي

مع الهذيان والشعر

واطلقت الرؤي الحيري

تجوب الليل في سر

تعانق في السما الاشباح

تسقط داخل البحر

وازعم انها ترتاح

تحت الماء تستزري

فيضحك موكب الابداع

في الاصداف والصخر

 

رحم الله قمر الدولة رحمة واسعة وجعل ما بثه من جمال ومعنى نوراً لا ينطفئ في الذاكرة والوجدان

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.