كيف صارت الحركة الإسلامية منظمة إرهابية عالمية؟
الجميل الفاضل يكتب …
أغبطني تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية للحركة الإسلامية السودانية كـ”منظمة إرهابية”.
وأسعدني أكثر أنها بنت هذا التصنيف على ما ارتكبته هذه الحركة بالفعل من انتهاكات جسيمة بحق المدنيين عبر ذراعها المعروف بكتائب، وأحيانًا بلواء أو فيلق “البراء بن مالك”، من أعمال عنف وحشية، ليس أقلها ما نفذته على الأرض من إعدامات خارج القانون، أخذ فيها كثير من الناس إلى ربهم بالشبهات، في ولايات الجزيرة وسنار والخرطوم وبإقليم كردفان.
كانت هذه الإعدامات، في الواقع، انتقائية وتمييزية، استهدفت مواطنين سودانيين يقيمون في تلك المناطق على أساس العرق أو الأصل الإثني، وبدرجة ما على نوع الانتماء والموقف السياسي.
وعلى أية حال، كانت هذه الحقيقة وحدها كافية لمنح واشنطن مبررًا لإدراج الحركة الإسلامية السودانية في قائمة المنظمات الإرهابية العالمية.
المهم، فقد أعادني هذا التصنيف لتذكر مقطع يوثق لحظة ذبح شيخ كبير في قرية “العريقات اللحويين” بولاية سنار؛ إذ اصطبغ جلبابه الأبيض بدمه النافر من جسده تحت حد سكين جرى على عنقه، فتح نافورة دم متفجرة على رقبته، وعلى جانب من صدره ثوب نسائي مشجر يرفع سبابته بالشهادة لربه في آخر ثوانٍ من حياته، لدرجة أنني قد تهيأ لي حينها أن دمه قد بات يقطر من هاتفي، قبل أن أتحسسه من فرط الذهول بين يدي وأصابعي مرة ومرتين.
وفي البعيد، تراءت لي صورة ذلك الرجل “السبعيني”، الطيب عبيد الله، الذي ذُبح وقطع عنقه وجُز رأسه بمدينة أم روابة، ليصبغ دمه جلبابه الناصع، قبل أن يسقي رمال مدينته “عروس النيم”.
كل هذا كان يحدث، أيها الأمريكان، على مدى ثلاثة أعوام هي عمر هذه الحرب، رغم أنف المفوض الأعلى لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فوركر تورك، الذي أبدى في ذات يوم ذبح الرجل السبعيني، قلقه البالغ إزاء تقارير أفادت بوقوع عمليات إعدام ميدانية بحق مدنيين في شمال الخرطوم، ارتكبتها عناصر من الجيش السوداني وميليشيات متحالفة معه.
واكتفى تورك بالقول: “إن القتل العمد للمدنيين أو الأشخاص الذين لم يشتركوا في أعمال عدائية، أو توقفوا عن المشاركة فيها، يُعدّ جريمة حرب”.
وكان بيان متزامن صادر عن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد قال أيضًا إن معلومات تم التحقق منها أفادت بمقتل ما لا يقل عن (18) شخصًا، بينهم امرأة، في سبع حوادث منفصلة ارتكبها مقاتلون وميليشيات تابعة للجيش منذ استعادة القوات المسلحة السيطرة على منطقة بحري في 25 يناير.
وأشار ذات البيان إلى أن “العديد من ضحايا هذه الحوادث، التي وقعت في محيط مصفاة الجيلي، ينحدرون من دارفور أو كردفان”.
واعتبر تورك أن “هذه التقارير عن عمليات إعدام بدون محاكمة، في أعقاب حوادث مماثلة وقعت في وقت سابق بولاية الجزيرة، مقلقة للغاية”، مشددًا على وجوب “ألا تصبح عمليات القتل هذه أمرًا طبيعيًا”.
المهم، فقد نجحت الحركة الإسلامية في جعل الدم السوداني أرخص دم في البورصة، بإطلاقها وحشًا دمويًا إسلامويًا متعطشًا، لا يريد أن يرتوي إلا من دماء السودانيين، الذين كلما اقترب واحد منهم صاح بوجهه الوحش: “فلترق منا الدماء، أو ترق منهم دماء، أو ترق كل الدماء”.
يصور تقرير قناة CNN الأمريكية الوضع يوم استعادة الجيش لود مدني على النحو التالي:
في ليلِ الجزيرةِ الأسودِ الدامي، يئن الماء تحت أثقال الجثث الطافية، كأن كل قطرة في هذه القنوات “الترع” دمعة أم، وصرخة طفل انقطعت في الحلق قبل أن تكتمل، وأنين أب يغوص في الظلام بحثًا عن وجه لم يعد.
في قرية دار السلام: أم تمسك بأطراف ثوب محترق، عيناها جمر لا ينطفئ، ترى أولادها الأربعة يُنتزعون من حضنها كأوراق ذابلة في ريح الموت، تسمع صراخهم يخفت رويدًا رويدًا:
“قالوا: سنقتل الجميع، لن نترك أحدًا”.
تقول الأم: “أطلقوا النار على أولادي، ذبحوا أحدهم بزجاجة مكسورة، ثم أحرقوا بيوتنا أمام عينيّ”.
ومريم أخرى تقول:
“دخلوا بيتنا، ثم قالوا: لا بقاء لأحد من النيل الأزرق، أخذوهم على الدراجات النارية، سمعت أنهم أُعدموا بالرصاص، ثم أُحرقت جدراننا، نجوت أنا، لكن روحي ماتت معهم”.
وفي أحد الكنابي، رجل يروي للقناة الأمريكية بصوت منكسر:
“رأيتهم يرمون ثلاث جثث في الترعة أمامي، تجولت في الجزيرة، رأيت عدة كنابي تحترق، يقول ما معناه: يحرقوننا لأن لوننا مختلف، لأن أصلنا مختلف، لأن وجودنا صار ذنبًا”.
وفي منطقة بيكا، رموا آخرين في الماء وهم أحياء.
البرهان وقف في ذات المكان تحت كبري بيكا، يخطب، يبتسم، يعلن نصره، وتحت قدميه يطفو دم أطفال وأمهات، كأن النصر يُبنى على جماجم أمثال هؤلاء الأبرياء.
الأمم المتحدة تقول: ما حدث هنا يكاد يرقى إلى إبادة مستهدفة، أو تطهير عرقي، أو جريمة حرب على الأقل. كلمات ثقيلة كالجبال.
يبدو أن هذا التصنيف الأمريكي ليس مجرد قرار، بل إجابة، وإن جاءت متأخرة، لنداء الشعوب التي ظلت تنتظر لنحو 37 عامًا عدلاً يُعيد للدم قيمته، وللإنسان كرامته، وللوطن لحمته.
