
أن تأتي متأخراً… لماذا صنفت واشنطن إخوان السودان الآن؟
المثل القائل “أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي” يكاد يلخص شعور كثير من السودانيين بعد إعلان الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً تصنيفاً خاصاً، تمهيداً لإدراجها على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية اعتباراً من 16 مارس 2026.
بالنسبة لقطاع واسع من السودانيين، فإن القرار الأمريكي لا يمثل مفاجأة بقدر ما يبدو خطوة جاءت بعد تأخير طويل. فالجماعة التي ارتبط اسمها بنظام المؤتمر الوطني منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 ظلت حاضرة في قلب السلطة لسنوات، في وقت كانت فيه القوى المعارضة والعديد من النشطاء يطالبون المجتمع الدولي منذ عقود باتخاذ موقف أكثر صرامة تجاهها.
لكن قراءة القرار الأمريكي لا يمكن أن تتم فقط من زاوية التاريخ السياسي السوداني، بل من زاوية الطريقة التي تتحرك بها واشنطن في ملفات الإرهاب، وهي طريقة تقوم في جوهرها على مزيج من القانون والأمن والمصالح الاستراتيجية.
كيف تصنف واشنطن الجماعات الإرهابية؟
رغم أن القرارات تبدو سياسية في ظاهرها، فإن آلية تصنيف الجماعات الإرهابية في الولايات المتحدة تمر عبر منظومة قانونية وأمنية معقدة.
الجهة الأساسية التي تتخذ القرار هي وزارة الخارجية الأمريكية، حيث يمتلك وزير الخارجية الصلاحية القانونية لإدراج أي جماعة ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO). غير أن القرار لا يصدر عادة بشكل منفرد، بل يعتمد على معلومات وتحليلات من عدة مؤسسات، أبرزها: وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ثم وزارة الخزانة الأمريكية
وتستند عملية التصنيف إلى ثلاثة معايير قانونية أساسية منصوص عليها في قانون الهجرة والجنسية الأمريكي: أن تكون المنظمة أجنبية وليست أمريكية، أن تكون منخرطة في أعمال إرهابية أو تمتلك القدرة والنية لتنفيذها، وأن تشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي أو مصالح الولايات المتحدة أو مواطنيها في الخارج.
من جمع المعلومات إلى إعلان القرار
لا يحدث التصنيف بقرار سياسي مفاجئ، بل يمر بعدة مراحل إجرائية: “جمع المعلومات الاستخباراتية، ترصد الأجهزة الأمنية نشاط الجماعة وشبكات تمويلها وعلاقاتها الإقليمية، وإعداد ملف قانوني، ثم تقوم وزارة الخارجية بإعداد ملف يثبت تورط الجماعة في أعمال إرهابية”. ثم تتم مراجعة الملف بالتشاور مع وزارة العدل ووزارة الخزانة والأجهزة الأمنية، ثم يتم إخطار الكونغرس الذي يملك مهلة للاعتراض قبل الإعلان.
ماذا يعني تصنيف أخوان السودان إرهابياً؟
عندما تُدرج جماعة على قائمة الإرهاب الأمريكية، فإن القرار لا يكون رمزياً فقط، بل يترتب عليه تأثير قانوني ومالي واسع، من أبرز نتائجه: تجميد الأصول المالية المرتبطة بالجماعة داخل الولايات المتحدة، وتجريم أي دعم مالي أو لوجستي لها من داخل الأراضي الأمريكية، وحظر السفر على أفرادها والمتعاونين معها، وتمكين واشنطن من ملاحقة شبكات التمويل عالمياً بالتعاون مع حلفائها.
كما أن الولايات المتحدة لا تعتمد قائمة واحدة للإرهاب، بل عدة قوائم، أهمها: قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO) – تديرها وزارة الخارجية، وقائمة الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص (SDGT) – تديرها وزارة الخزانة، إضافة إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب.
البعد السياسي: البراغماتية الأمريكية
رغم الإطار القانوني الصارم، فإن كثيراً من الباحثين يرون أن الاعتبارات الجيوسياسية تلعب دوراً في توقيت بعض القرارات.
ويتضح ذلك في بيان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اليوم والذي ربط بوضوح التصنيف بالاتهامات الموجهة للجماعة باستخدام العنف ضد المدنيين في السودان، إضافة إلى ما وصفه بتلقي بعض مقاتليها تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني.
وقال روبيو إن الولايات المتحدة ستستخدم جميع الأدوات المتاحة لحرمان النظام الإيراني وفروع جماعة الإخوان المسلمين من الموارد اللازمة لممارسة الإرهاب أو دعمه.
هذه اللغة تكشف أن القرار لا يرتبط بالسودان وحده، بل يأتي أيضاً في سياق الصراع الأوسع بين واشنطن وطهران، حيث تحاول الولايات المتحدة تضييق الخناق على الشبكات التي ترى أنها مرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة.
لماذا الآن؟
السؤال الذي يتردد في الأوساط السودانية هو: لماذا جاء القرار الآن وليس قبل سنوات؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع تكمن في طبيعة السياسة الأمريكية نفسها. فالولايات المتحدة، مثل معظم القوى الكبرى، تتحرك وفق منطق البراغماتية السياسية، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع المصالح الاستراتيجية.
في حالة السودان، يبدو أن تلاقي عدة عوامل أسهم في تحريك الملف منها تطورات الحرب الدائرة في السودان والاتهامات بوجود علاقات بين بعض المجموعات المسلحة وإيران، بجانب إعادة ترتيب واشنطن لأولوياتها الأمنية في المنطقة
بين التأخر والضرورة
بالنسبة لكثير من السودانيين الذين عارضوا نظام الإنقاذ منذ سنواته الأولى، فإن القرار يبدو متأخراً. فالقوى الثورية ظلت تحذر مبكراً من العواقب السياسية والاقتصادية التي قد تترتب على استمرار حكم الإسلاميين في البلاد.
لكن في عالم السياسة الدولية، نادراً ما تتحرك الدول الكبرى بدافع أخلاقي صرف. القرارات الكبرى غالباً ما تأتي عندما تتلاقى القناعة السياسية مع المصلحة الاستراتيجية.
وهنا ربما يكتسب المثل القديم معناه الكامل، قد يكون القرار جاء متأخراً… لكنه في نظر كثيرين كان لا بد أن يأتي.
