اقتصاد الفوضى في السودان: الذهب يمول الحرب والكبتاغون يطيلها
بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن يكتب ..
في الحروب الطويلة لا يقتصر الخراب على المدن و البنية التحتية، بل يمتد ليعيد تشكيل الاقتصاد نفسه. تتراجع القطاعات الإنتاجية الشرعية، و تظهر في المقابل أسواق مزدهرة تقوم على الموارد السريعة و الأنشطة غير المشروعة. و ما يحدث في السودان اليوم يقدم مثالًا صارخًا على هذا التحول؛ و مع استمرار الصراع في السودان منذ عام 2023 بدأت تتشكل ملامح اقتصاد حرب. فبعد أن كان الذهب المصدر الأبرز للتمويل غير الرسمي، برزت تجارة المخدرات- خاصة الكبتاغون كأحد أخطر مكونات الاقتصاد الموازي في البلاد.
انهيار مؤسسات الدولة و تراجع الرقابة على الحدود خلقا بيئة مثالية لنشاط شبكات الجريمة المنظمة. و تشير تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات و الجريمة إلى أن مناطق النزاعات المسلحة غالبًا ما تتحول إلى ممرات أو مراكز إنتاج للمخدرات بسبب ضعف إنفاذ القانون و ارتفاع الطلب على التمويل السريع.
في السودان ظهرت مؤشرات واضحة على هذا التحول. فقد أعلنت السلطات في شرق البلاد ضبط 384 كيلوجرامًا من الميثامفيتامين (الكريستال ميث) و27 كيلوجرامًا من الهيروين في عملية تهريب واحدة عبر البحر الأحمر. كما جرى ضبط نحو 176 ألف حبة كبتاغون في عمليات منفصلة على طرق التهريب الإقليمية.
كما تشير تقديرات صادرة عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية إلى أن السودان أصبح جزءًا من مسارات تهريب المخدرات بين شرق إفريقيا و الشرق الأوسط، مستفيدًا من حدوده الطويلة وساحله الممتد على البحر الأحمر.
الخطر الأكبر يتمثل في المخدرات الصناعية مثل الكبتاغون. فهذه الصناعة لا تحتاج إلى مصانع كبيرة، بل إلى معامل صغيرة و مواد كيميائية يسهل نقلها عبر الحدود. و في بيئات الحرب تصبح هذه التجارة جذابة للغاية بسبب هوامش الربح المرتفعة وسهولة الإخفاء و النقل.
يمتلك السودان ثلاثة عوامل تجعل منه موقعًا مناسبًا لهذه الشبكات: حدود برية طويلة مع سبع دول، طرق تهريب قائمة كانت تُستخدم سابقًا لنقل الذهب و السلاح، و موقع جغرافي يربط بين أسواق الخليج وشرق إفريقيا و شمال القارة.
النتيجة أن البلاد قد تتحول تدريجيًا من ممر للمخدرات إلى جزء من اقتصاد إنتاجها و تهريبها. و الخطر هنا لا يقتصر على الجانب الجنائي، بل يمتد إلى البنية السياسية للصراع؛ فاقتصاد المخدرات غالبًا ما يغذي الحروب لأنه يوفر مصادر تمويل سريعة للاطراف المتصارعة و شبكات التهريب.
التجارب الدولية تُظهر أن مثل هذه الاقتصادات، عندما تنشأ في ظل الصراعات، يصعب تفكيكها حتى بعد انتهاء الحرب. و لهذا فإن التحدي الذي يواجه السودان لا يتعلق فقط بإيقاف القتال، بل بمنع تشكل اقتصاد إجرامي عابر للحدود قد يرسخ نفسه في قلب الدولة لسنوات طويلة قادمة.
إن إيقاف القتال، رغم أهميته، لن يكون كافيًا إذا لم يترافق مع مشروع جاد لإعادة بناء مؤسسات الدولة و ضبط الحدود و تجفيف مصادر اقتصاد الحرب. فالتاريخ يخبرنا أن الدول التي تسمح بترسخ اقتصاد الجريمة المنظمة في زمن الصراع تجد نفسها بعد الحرب أمام معركة أصعب.
