السودان في مفترق الشرعيات.. بين واقع السلاح وأفق السياسة

نبض قلم

عادل تاج الدين جارالنبي  يكتب

لم يكن ظهور محمد حمدان دقلو في بعض عواصم دول الجوار مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل إشارة سياسية عميقة في سياق حربٍ أنهكت السودان دولةً ومجتمعًا. فالمشهد لم يعد صراعًا عسكريًا خالصًا، بل تحوّل إلى معركة على الشرعية والتمثيل: من يتحدث باسم السودان؟ ومن يملك حق الجلوس إلى طاولة أي تسوية قادمة؟

حين يطول أمد الحرب ويتعذر الحسم في الميدان، تتحرك السياسة عبر مسارات بديلة. والجولات الخارجية تعكس إدراكًا بأن ميزان القوة لم يعد يُقاس فقط بالسيطرة الجغرافية، بل أيضًا بالقدرة على كسب الاعتراف الإقليمي وكسر العزلة. إنها محاولة للانتقال من مربع الفعل العسكري إلى مساحة الفاعل السياسي الذي لا يمكن تجاوزه.

غير أن الاعتراف الخارجي، مهما اتسع، لا يصنع شرعية داخلية تلقائيًا. فالسودان يعيش أزمة دولة قبل أن يعيش أزمة سلطة: مؤسسات متآكلة، اقتصاد متدهور، نزوح واسع، ونسيج اجتماعي يتعرض لاختبارات قاسية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي تحرك خارجي موضع قراءة مزدوجة؛ بين من يراه إعادة تموضع ضرورية، ومن يخشى أن يعمّق واقع الانقسام ويكرّس مراكز قوة موازية.

دول الجوار بدورها لا تتحرك بدافع العاطفة، بل بمنطق المصالح وحسابات الأمن والاستقرار. السودان بالنسبة لها ملف حدود ولاجئين وتوازنات إقليمية حساسة، ولذلك قد تختار فتح قنوات مع مختلف الأطراف بدافع إدارة المخاطر، لا بدافع الانحياز النهائي.

لكن جوهر الأزمة يظل داخليًا. فالمعضلة ليست في صورة تُلتقط في عاصمة ما، بل في غياب عقد وطني جامع يعيد تعريف العلاقة بين المدني والعسكري، ويؤسس لدولة قانون تُخضع السلاح لإرادة السياسة لا العكس. وبين واقع السلاح وأفق السياسة يقف السودان اليوم في مفترق طرق حقيقي.

قد تمنح التحركات الخارجية وقتًا أو تفتح قنوات، لكنها لن تصنع سلامًا مستدامًا ما لم ينبع من الداخل. فالعواصم قد تكون محطة، لكن الطريق إلى الدولة يبدأ من الخرطوم، حين تتقدّم الإرادة الوطنية على حسابات النفوذ، ويُعاد بناء الشرعية على أساس حماية المواطن ووحدة الوطن.

 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.