لماذا لا يُفاجئنا حديث الإسلاميين السودانيين عن إيران؟

من على الشرفة

طاهر المعتصم

لم يكن حديث بعض الإسلاميين السودانيين المنتمين إلى ما يُعرف بـ«مجموعة البراء بن مالك» عن مساندة إيران في صراعاتها الإقليمية أمراً صادماً أو جديداً في السياق السياسي السوداني. اوالتصريحات التي نُسبت إلى الناجي عبد الله في مقطع الفيديو المتداول امس تعكس امتداداً فكرياً وسياسياً يعود إلى بدايات تجربة الإسلاميين في السلطة بعد انقلاب 30 يونيو 1989، أكثر مما تمثل موقفاً طارئاً فرضته اللحظة الراهنة.

فمنذ انقلاب الجبهة الإسلامية القومية بقيادة عمر البشير وحسن الترابي على السلطة، كان المشروع السياسي الذي طرحه الإسلاميون في السودان يسعى – بدرجات متفاوتة – إلى استلهام تجربة «الثورة الإسلامية» في إيران عام 1979 بقيادة آية الله الخميني. لم يكن ذلك الاستلهام بالضرورة تبنياً كاملاً للنموذج الإيراني، لكنه تَجلى في العديد من الممارسات والمؤسسات التي ظهرت في السنوات الأولى لحكم الإنقاذ.

أبرز هذه المظاهر كان إنشاء قوات الدفاع الشعبي، وهي تشكيلات شبه عسكرية أُنشئت لتعبئة المجتمع في إطار أيديولوجي وديني لدعم الحرب التي كانت تدور في جنوب السودان آنذاك. وقد رأى كثير من الباحثين أن هذه التجربة تشبه في بنيتها ووظيفتها نموذج «الباسيج» في إيران، الذي يمثل قوة تعبئة عقائدية مرتبطة بالحرس الثوري. كما أن الخطاب السياسي والديني الذي ساد في تلك المرحلة كان يتقاطع مع فكرة «الثورة الإسلامية» بوصفها مشروعاً يتجاوز الحدود الوطنية.

وفي سياق هذه العلاقة، شهدت الخرطوم خلال التسعينات حضوراً إيرانياً سياسياً وثقافياً واضحاً. فقد افتُتحت مراكز ثقافية إيرانية، وكانت مطبوعات وصحف صادرة من طهران، مثل صحيفة «كيهان العربي»، متاحة في المكتبات السودانية. كما تحدثت تقارير عديدة عن تعاون عسكري وأمني بين البلدين في تلك المرحلة، شمل مجالات التدريب وتبادل الخبرات، في ظل عزلة دولية متزايدة فرضتها الولايات المتحدة على السودان بسبب اتهامات بدعم الإرهاب

وقد أشارت تقارير صحفية عديدة إلى أن العلاقة بين الخرطوم وطهران بلغت مستوى من التحالف الاستراتيجي في التسعينات، حيث قدمت إيران دعماً سياسياً وعسكرياً للحكومة السودانية في مواجهة التمردات الداخلية والضغوط الدولية. ولم يكن مستغرباً في تلك الفترة أن تستقبل موانئ السودان سفناً حربية إيرانية، أو أن تتردد أنباء عن تعاون في مجال التصنيع العسكري

غير أن هذه العلاقة لم تبقَ على حالها. ففي العقد الأخير من حكم الرئيس عمر البشير، بدأ السودان تدريجياً في الابتعاد عن إيران والاقتراب من محيطه العربي والخليجي. وقد بلغ هذا التحول ذروته عام 2016 عندما أعلنت الخرطوم قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران تضامناً مع المملكة العربية السعودية، في خطوة اعتُبرت آنذاك محاولة لإعادة تموضع السودان إقليمياً وكسر عزلته السياسية

ومع ذلك، فإن التحولات الرسمية في السياسات الخارجية لا تعني بالضرورة اختفاء الرواسب الأيديولوجية التي تشكلت خلال عقود. فالكثير من التيارات الإسلامية السودانية ظل ينظر إلى إيران بوصفها تجربة «ثورية» في مواجهة الغرب، رغم الاختلاف المذهبي الواضح بين السنة والشيعة. ولذلك فإن ظهور أصوات داخل بعض المجموعات الإسلامية السودانية تتحدث بإيجابية عن إيران لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا الإرث الفكري والسياسي

لهذا السبب، فإن التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى بعض عناصر «البراء بن مالك» لا تمثل مفاجأة تاريخية بقدر ما تعكس استمرارية في التفكير السياسي لدى جزء من الإسلاميين السودانيين. إنها تذكير بأن التحالفات الأيديولوجية التي نشأت في التسعينات لم تختفِ بالكامل، حتى وإن تغيرت الحسابات الرسمية للدولة السودانية في مراحل لاحقة

وباختصار، فإن من يعرف تاريخ العلاقة بين الإسلاميين السودانيين وإيران يدرك أن مثل هذه التصريحات ليست خروجاً عن السياق، بل صدى متأخر لمرحلة كاملة من تاريخ السودان السياسي، حين كان مشروع «الإنقاذ» يرى في طهران نموذجاً يمكن الاقتباس منه في بناء دولة ذات طابع أيديولوجي

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.