سرديات ..
” *قال كذلك قال ربُّك هو علي هيّنٌ* *ولنجعلَه آيةً للناس ورحمةً منا وكان امراً مقضياً..*.”
صدق الله العظيم..
حين أنصت إلى المقرىء الراحل *الشيخ عوض عمر* وهو يتلو سورة مريم؛ يغمرني شعور بالرهبة والخشوع لا سيما حين يصل للآية التي ذكرتُها أعلاه..تهزني الآية هزّا فأكون كمنجذب أخذته نشوة التحليق في فضاءات تجتمع فيها معاني الأسى والشجى والحزن وفرح البشرى في معنى واحد.. نعم أدرك لحظتها أن كل هذه المعاني اجتمعت في معنى واحد:
هو الحالة التي أعيشها وانا في تحليقي المستعذب بلا بوصلة !..فأحس بقلة حيلتي!
كانت السيارة تنطلق بنا، بسرعتها المحكومة، بجهاز يحول دون تجاوزها السرعة المحددة بثمانين كيلومتراً في الساعة..الشركة التي أعمل فيها تولي السلامة اهتماما بالغاً، لذلك لا تتعدى سياراتها السرعة المحددة على الطرق الترابية أو الطرق المسفلتة…أما إن سوّلت للسائق نفسُه بالتلاعب في جهاز التحكم على السرعة، فتنطلق إشارة من الجهاز لمراقب الرحلة الموجود في مقر الشركة، منذرةً بالمخالفة ووقت وقوعها..فشاشة الحاسوب التي أمامه، تظهر له فوراً، من خلال برمجية مراقبة الرحلة، كل ما يقوم به السائق من محاولات لتجاوز السرعة، أو مواصلة الرحلة في الغبار أو خلاف ذلك من مخالفات يدفع مرتكبُها ثمناً باهظاً عند عودته، وربما فقد وظيفته إن تكررت المخالفة…
سيارة اللاندكروزر ذات الدفع الرباعي، يكاد محركها يئن من وعورة الطريق..
ثم ما هي إلا ثوان معدوداتٍ، حتى تعذرت الرؤيةُ، حين أطبقت علينا، من لا مكان، عاصفةٌ رمليةٌ داكنة…توقفنا على جانب طريق ترابي، يغطي ملامحَه غبارٌ كثيفٌ من كل جانب..
لحنٌ حزينٌ جنائزي الترانيم، ينبعث من شريط وضعه مرافقي في مسجل السيارة..الرجل ينصت للأغنية بكل حواسه.
-لِمَ يبدو لي هذا اللحن حزيناً بهذا القدر؟ سألتُه.. لم يجبني بل ظل غارقاً في الإنصات بكل حواسه …
في محاولة لانتشاله من حالة الحزن التي تسربلتْه، سألته عن اسم الأغنية..
-اسمها Barren Wind اجابني ثم واصل: يبدو لي أنها تصلح تعليقا على هذه الصور التي التقطتُها للتو لهذه العاصفة التي داهمتنا..فما رأيك؟ لم ترق لي العبارة!
كيف تكون الريح عقيماً barren wind اقترحت عليه أن يعلق على اللقطة بعبارة Desert
Sandstorm
أي عاصفة رملية في الصحراء..
وافق على اقتراحي فعدل ال caption..
سعِدتُ لذلك ف *الريح لا تكون عقيماً*..
نعم، لا تكون *الريح عقيماً*، هكذا أقنعت نفسي وأقنعته!
لا أثرَ للحياة هنا، باستثناء نبتاتٍ صحراويةٍ، تصلح مثالاً حياً للظمأ، كيف يكون في أوضح صوره..
مرافقي صحافي هولندي، اسمه إريك فان شيربنزيل Erik Van Scherpenzeel يعمل على تأليف كتاب بعنوان *عمان، الماضي والحاضر*..
Oman, Then & Now
جُلُّ المعلومات التي يريدها، لا تتوفر إلا في شركة النفط التي اعمل فيها -وتحديداً في دائرة الإعلام (الترجمة والتحرير) حيث توجد الصور والوثائق القديمة لتاريخ عمان، منذ خمسينيات القرن الماضي… فالشركة استأنفت أنشطة التنقيب، عن النفط في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بعد أن توقفت بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية..
نحن الآن في ولاية عِبْرِي في شمال عُمَان، نعبر صحراءً لا أول لها ولا آخر-وجهتُنا هي موقع أول بئر نفط حُفرت في عمان في خمسينيات القرن الماضي (١٩٥٤)؛ واسمها بئر فهود-١..
في أدبيات صناعة النفط على مستوى العالم، تعرف هذه البئر، بالبئر سيئة الحظ..
فالحظ السيء جعلها تخطيء مكمن النفط ببضعة أمتار فقط… فبعد أن اكملت شركة النفط، كل الدراسات الجيولوجية اللازمة، والتي اثبتت احتواء التركيب الجيولوجي على النفط بكميات تجارية، اظهرت البئر، بعد ان بلغ عمقها أكثر من ٣٠٠٠ متر في تراكيب جيولوجية بالغة التعقيد، انها جافة-اي لا نفط فيها…يا لسوء الحظ!
هدأت العاصفة الرملية، مع أن الغبار كان لا يزال خانقاً داخل السيارة..
قال لي إن العاصفة الرملية في الأحلام، في تراثهم الشعبي، تعني فألاً، وقد تكون نذير شؤم لا يحمد عقباه..
It could either symbolize success, a better rebirth or could signify a conflict in life-or a destruction!
ثم سألني:
أيُّ التفسيرين يا ترى ينتظرنا؟
سؤاله أربكني، كان إرباكاً لا يخلو من خوف، رغم اني لا أعير كبير اهتمام بالأحلام وتفاسيرها!
لم أرد على سؤاله بل اوهمته بأنني مشغول بأمر ما..
وصلنا إلى بئر فهود-١ أي البئر سيئة الحظ! التقط بعض الصور من البئر التي تحيط بها هضبة تعلوها قمم صخرية داكنة اللون..
تناولنا وجبة الغداء في مركز الشركة ثم انطلقنا إلى الجنوب حيث توجد حقول نفط قديمة ولكنها لا تزال منتجة بكميات تجارية..
نحن الآن في منطقة الأحقاف..والأحقاف لغةً تعني رمالاً تستطيل امامك في اعوجاج..
هنا لا ترى شيئا، سوى الكثبان الرملية المترامية الاطراف، والتي تبدو وكأنها تتحرك..إنها صحراء الربع الخالي..
الطريق الذي نسلكه طريق ترابي، لذلك كانت الشاحنات الضخمة التي تسير امامنا، تثير سحبا من الغبار الذي يجبرنا على التوقف كثيرا حتى ينجلي..
بعد ان التقط من الصور ما شاء من حقول النفط الجنوبية، اي تلك الموجودة في صحراء الربع الخالي، بدانا رحلتنا إلى مسقط..
لقتل الملل بسبب طول الرحلة، بدأتُ ابحث عن محطة اذاعية تجنبني هذا اللحن الحزين، المنبعث من مسجل السيارة.
فجأة أطل عليّ بصوته العذب:
المقريء العماني الشيخ *حسن الفارسي* يتلو بصوته الصحِل آياتٍ من ذكر الحكيم:
*وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريحَ العقيم*..
شعرت بالآية وكأنها تنتشلني انتشالاً من وهدة جهلي المستقر…!
مقرئان تهزُّني تلاوتهما هزّا..
هذا الفارسي العماني، والراحل *عوض عمر* حين يتلو سورة مريم..
أي إجلالٍ وأيُّ روعةٍ وأيُّ إعجازٍ في سورة مريم..
سورة عجيبة!
اسمعوها بتلاوة الشيخ عوض عمر بالله عليكم؛ متى تسنى لكم ذلك..إنها تهزّك كأنها سيمفونية عظيمة لا سيما حين تصل التلاوة إلى الآية الكريمة:
“قال كذلك قال ربُّك هو عليَّ هيّنٌ ولنجعلَه آيةً للناس ورحمةً منّا وكان أمراً مقضيا”..أشعر حينها بأن معاني *الأسى والشجى والحزن وفرح البشرى* اجتمعت في معنى واحد فأدرك، لحظتها، المعنى بعقلي، وأحسُّ بضعفي ونقص عقلي..
ما أعظم الإمام محمد بن ادريس الشافعي حين أقر بجهله وهو العالِم الذي يصدق فيه قول الفرنجة:
A great man who was always willing to be little!
قال الإمام رحمه الله:
*كلما أدّبني الدهرُ، أراني نقصَ عقلي،*
*وكلّما ازددتُ عِلماً زادني علماً بجهلي..*
ياااااه!
*الريح العقيم!* إذن هناك *عقمٌ* يصيبُ الريحَ كما يصيبُ الكائنات الحية، وليس كما استنكرتُ بجهلي، وجودَ ريحٍ عقيم!
قوم *عاد* مدفونون هنا في هذه الصحراء، التي نعبرها الآن-او هكذا تقول بعض كتب التفاسير..
ولكن كيف تكون *الريح عقيماً* ..كيف توصف الريح بالعقم؟
وصلنا مسقط والسؤال عالق بذهني:
*كيف تكون الريح عقيماً*؟
احتفظ في مكتبتي، بثلاثة كتب تفسر القرآنَ باللغة الانجليزية..
وجدت في الأول منها ان الريح العقيم هي:
Destructive wind
أي الريح المدمرة او المهلكة..
وفي الكتاب الثاني جاءت العبارة بمعنى:
Ominus wind
أي الريح التي تنذر بشؤم قادم!
فيما كان المعنى الذي وجدتُه في الكتاب الثالث هو الأوقع أثراً في نفسي، بعد أن تأكدتُ من تفسير ابن كثير للعبارة:
The barren wind..
قال ابن كثير إنها ريح عقيم، لا حياةَ فيها، لأنها لا تسوق سحباً ممطرة تسقي الأرض والضرع، ولا تحمل لواقحَ للأشجار فتبعث فيها الحياةَ والاستمرار… إنها ريح شديدة البرودة وتصدر صوتاً مدوياً (ريح صرصر عاتية) ..إنها الريح التي قضت على قوم عاد جميعاً وجعلتهم كالرميم ( *ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم*) و *الرميم* الحبال المقطعة، كالهيكل العظمي مقطّع إلى أوصال ( *قال من يحي العظام وهي رميم*)..
ثم بحثت عن أغنية Barren Wind في الشبكة العنكبوتية، فوجدتُ أنها أكثر من أغنية بنفس الاسم، وتقول كلماتُ احداها وهي في ظني الاقرب لمعنى الفناء:
It came hollow as carved bone and cold
جوفاء جاءت باردةً كعظم منحوت،
Crashing silent upon the earth and sea..
في صمتٍ تدك الأرض والبحار دكّا..
قالت بعض الأخبار ذات الصلة إن القصيدة قيلت، بمناسبة دمار احدثه زلزال في المحيط الهادي، فأحدث تسربا هائلا لاشعاعات نووية من مفاعل نووي في اليابان..فكان الدمار الكامل للزرع والضرع..هل يا ترى كان لمرافقي عزيز لديه تضرر بذلك الحادث المأسوي في اليابان فكان انصاته للأغنية بكل حواسه مسربلاً بالحزن والغياب؟
لا أدري!
جاءتني نسختي الممهورة بتوقيع المؤلف من كتاب *عمان الماضي والحاضر* الذي ترجمتُه إلى العربية وساهمت في تحرير نصّه الانجليزي ..طُبع الكتابُ في هولندا وكنت أخشى، ما أخشى، أن يظهرَ التعليقً على لقطة العاصفة، التي داهمتنا في بداية رحلتنا، بنصه القديم : Barren Wind اي الريح العقيم..
حمدتُ الله حين استلمت نسختي من الكتاب، أن جاء التعليقُ على اللقطة كما أردتُه:
*عاصفة رملية في الصحراء* وليس *الريح العقيم* كما كان مقترحاً..
والفرق بين العبارتين كبير بل كبير جدا..
بجهلي المستقر كدت أشكك في وجود عقم يصيب الريح..ومن الجهل ما يجعلك تتظنّى عن يقين باطل، بأنك مالك الحقيقة الأوحد!
وبالعودة إلى تفسير صديقي الهولندي للاحلام وفق معتقداتهم التراثية، وجدت ان بعض كتب تفسير الاحلام العربية (ابن سيرين) ، تفسر العاصفة في الاحلام كما قال به التراث الهولندي أي انها قد تعني الفالَ وقد تكونُ نذيراً للشؤم..
هل يصدق تفسير الأحلام؟
لا أدري!
