توقعات تأثير حرب الخليج الحالية على السودان
دكتور وائل فهمي يكتب ..
إن التصعيد العسكري الأخير (فبراير/مارس 2026) بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمثل منعطفاً خطيراً في جيو-سياسية-اقتصادية المنطقة.
وقد تلاحظ الآن، في الأول من مارس 2026، إن الأسواق العالمية بدأت بالفعل في استيعاب الصدمات الأولى لهذا الصدام المباشر. حيث بدات على انجاح عمليات رفع اسعار النفط المدولر، عبر شركات الولايات الامريكية المتحدة وشركات الدول الاوروبية المهيمنة، بمنطقة الخليج، لزيادة الطلب العالمي على الدولار (الذي كان اخذا مساره على منحنى تقلصه) وذلك لتمكين الحكومة الامريكية من تصدير التضخم لدول العالم، (((اكرر: عبر زيادة الطلب العالمي على الدولار مما يدهور اسعار صرف عملات دول العالم مقابل الدولار، من ثم زيادة معدلات التضخم بالعالم المرتبط بالبترول المدولر)))، من ناحية للتمكن من سداد ديونها العامة البالغة ٣٨ تريليون دولار، دون احداث تضخم داخلي بها، من ناحية اخرى، وللسيطرة على النمو الصناعي الصيني المتسارع عبر السيطرة على الحجم الكبير لواردات الصين من النفط الايراني بعد فنزويلا التي استعمرت نفطها الولايات الامريكية المتحدة، وذلك للحد من، ان لم يكن تحجيم، تقدمها الصناعي على حسابها، ذلك على اساس ان الاقتصاد الصيني اليوم، واقعيا، هو اكبر اقتصاديات العالم (باستخدام مؤشر ال PPP)، كما تؤكدها المنظمات المالية الدولية، من ناحية ثالثة.
التأثير على السودان وحربها الداخلية:
يأتي هذا الصراع الإقليمي ليزيد من تعقيد الأزمة السودانية المستمرة منذ 2023:
اذا ما استمرت لفترة اطول، فان الحرب بالخليج قد يترتب عليها، موضوعيا، تراجع في الاهتمام الدولي بالسودان والتمويل. فالصراع الإيراني – الأمريكي – الإسرائيلي يسحب الأضواء والتمويل الإنساني بعيداً عن مأساة السودان المتفاقمة، مما يطيل من امد ازمة المجاعة المتفاقمة، باستمرار الحرب الدائرة حاليا، ونقص في الأدوية وتداعيات كل ذلك، الى جانب الزيادة في تعقيدات المشاكل السائدة الان بالسودان، خاصة تلك المرتبطة بتمويل اعادة الاعمار والتاهيل للمؤسسات، من اطالة حالة عدم الاستقرار المجتمعي.
البحر الأحمر كساحة صراع:
السودان يمتلك ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر. فبدخول إيران وإسرائيل في مواجهة مباشرة قد يحول الموانئ السودانية إلى مناطق صراع نفوذ، مما يعطل أي محاولات لاستئناف صادرات الذهب أو النفط عبر ميناء بورتسودان.
زيادة تكلفة الحرب والوقود:
يعتمد طرفا النزاع في السودان على الوقود المستورد. فارتفاع، ومن ثم تضخم، الأسعار الدولارية للوقود، على الاقل، عالمياً، ومن ثم تدهور اسعار صرف عملاتها، ليغذي معدلات التضخم الداخلية المرتفعة بما يفاقم من ارتفاع تكلفة المعيشة للمواطن السوداني الى حدود ان تكون مستحيلة للقاعدة الاكثر تضررا، خاصة مع وصول معدلات التضخم لمستويات قياسية تتجاوز الـ 300%. فالتضخم المستورد سيكون كارثيا في ظل الاوضاع الاستثنائية التي يعاني منها السودان والسودانيين.
فباستمرار الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع في سياقها الداخلي منذ 2023، فان الحرب الخليجية الجديدة ستضيف صُعوبات إضافية، تتمثل بشكل اولي في:
تقليل الدعم الخارجي، في اطار العجز المتفاقم لميزان المدفوعات، بما يؤدي الى زيادة الاقتراض من، ومن ثم زيادة المديونية لصالح، الخارج:
فدول الخليج التي كانت تدعم بعض أطراف الصراع أو ترسل تحويلات قد تشدّ أولوياتها لأمنها، ما يقلل من الدعم النقدي للسودان، بما يترتب عليه من مفاقمة ازمة المديونية الخارجية، نتيجة اللهث وراء الاقتراض والاستثمار الاجنبي بما يفاقم من الضغوط المرتفعة للسياسات الضريبية والمالية الاخرى، التي ستغذي اوضاع التضخم الجامح بالداخل.
ارتفاع أسعار الغذاء والوقود
زيادة أسعار النفط عالمياً تُرفع أيضًا أسعار النقل والطاقة والسعات اللوجستية، ما يزيد، من الطلب على العملة الدولارية وتدهور سعر صرف الجنيه السوداني، على الاقل آجلا، من تكلفة الغذاء والاستهلاك والاستثمار في السودان، ويفاقم الأوضاع الإنسانية (التشغيلية ومن ثم المعيشية).
تأثير على التحويلات
لو انخفضت تحويلات العمال الخليجيين بسبب الركود الاقتصادي أو تقييد نقل الأموال للخارج، فهذا يقلص موارد الأسر السودانية.
النتيجة: فالى جانب احتمال تجنب السودان لزيادة التدخلات الإقليمية والدولية غير المباشرة، لصالح اي من الاطراف المتحاربة بالخليج، إذا أعادت الدول ترتيب أولوياتها، فسيكون من المتوقع ان يكون هناك تراجع في متوسط حجم الدعم الخارجي، في ظل العقوبات المالية الدولية حاليا وعجز المنظمات عن تدبير الاموال اللازمة للمساعدات الانسانية للسودانيين، وانعكاس ذلك على كل من عجز ميزان المدفوعات وعجز الموازنة العامة للحكومة، بما يترتب عليه من تفاقم ازمة كارثة سعر صرف الجنيه السوداني، محليا وخارجيا، في اطار هيمنة السوق الموازية، وانعكاسه على ارتفاع معدلات التضخم الجامح السائد حاليا بالبلاد مدعوما بالتضخم المستورد، مما يترتب عليه من زيادة تفاقم الضغوط الاجتماعية والإنسانية في السودان، خاصة تلك المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي مع اضعاف الحرب بالخليج لمبالغ تمويل اعادة الاعمار والتاهيل للمؤسسات بالسودان، بما يطيل حالة عدم الاستقرار المجتمعي وانعكاس ذلك على الاستقرار السياسي لنظام الحكم القائم حاليا.
