
“الصُراع” في شرق النيل… كيف استعادت مصارعة النوبة جمهورها؟
عادت المصارعة الشعبية في السودان إلى ساحات الوحدة بمحلية شرق النيل في الخرطوم، بعد توقف استمر ثلاث سنوات بسبب الحرب، في مشهد أعاد إلى الأذهان أياماً كانت فيها مدرجات استاد شرق النيل تمتلئ أسبوعياً بالمئات من المواطنين – بينهم سياح وبعثات أجنبية قبل الحرب – لمتابعة مصارعة النوبة.
وتُعرف المصارعة محلياً باسم “الصُراع”، وهي واحدة من أبرز الرياضات الشعبية في البلاد، وتمثل تراثاً اجتماعياً وثقافياً أصيلاً لسكان جبال النوبة، حيث ترتبط بطقوس تقليدية تتصل بمناسبات دورة الحياة، من الاحتفالات المجتمعية إلى المواسم الزراعية.
جذور تاريخية تعود إلى كوش
يرى باحثون أن أصول المصارعة السودانية تعود إلى مئات السنين، إلى حقبة دولة كوش، الاسم القديم لبلاد النوبة، إذ كانت تمارس في ساحات مفتوحة وسط أهازيج ورقصات شعبية، وأصبحت جزءاً متوارثاً من ثقافة المجتمع النوبي.
ويُطلق على المصارع لقب “الفارس”، في إشارة إلى مكانته الاجتماعية والرمزية، بينما ترفع أسرته الأعلام على منزلها عند الفوز، تعبيراً عن الفخر والانتصار.
قواعد خاصة وتشابه مع “السومو”
تُقام المنافسات على حلبة من الرمال، وتعتمد على إسقاط الخصم أرضاً لتحقيق الغلبة، مع استخدام الأيدي وتقنيات تعتمد على الخفة والرشاقة والمناورة، دون اللجوء إلى العنف المفرط.
ويشبّه متابعون هذه الرياضة برياضة Sumo اليابانية من حيث الطابع التقليدي والمواجهة المباشرة، وإن كانت تختلف عنها في القواعد والتفاصيل الفنية.
ومن أبرز مصطلحات اللعبة “الدرعة”، أي استخدام الأرجل لإسقاط الخصم، و“التفويتة”، وهي حركة تمويه تهدف إلى إرباك المنافس وزعزعة ثقته. ويتفاخر بعض المصارعين بأن أجسادهم لم تلمس الأرض قط طوال مسيرتهم الرياضية.
طموح للاعتراف الدولي
قبل اندلاع الحرب، شهدت المصارعة الشعبية حضوراً جماهيرياً واسعاً في الخرطوم ومناطق أخرى، وبلغ عدد المسجلين في اللعبة أكثر من ألف لاعب في عام 2020، وفق تقديرات رياضية محلية.
ويسعى القائمون على اللعبة إلى الحصول على اعتراف دولي بها باعتبارها جزءاً من التراث الثقافي غير المادي للسودان، في وقت يرى فيه متابعون أن عودتها إلى شرق النيل تمثل مؤشراً على رغبة المجتمع في استعادة أنشطته الثقافية والرياضية رغم التحديات.
وبين قرع الطبول وهتافات الجمهور، بدت “الصُراع” وكأنها تستعيد دورها، ليس فقط كرياضة تنافسية، بل كمساحة جامعة تعكس هوية مجتمع يسعى إلى النهوض من آثار النزاع.
